ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=203819)

ابوالوليد المسلم 23-11-2023 10:39 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
الصحيح من الأثر في خطب المنبر – الجزء الثاني (PDF)
أبو عبدالله فيصل بن عبده قائد الحاشدي
لا اله الا اللله


ابوالوليد المسلم 23-11-2023 10:49 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
الصحيح من الأثر في خطب المنبر – الجزء الثالث (PDF)
أبو عبدالله فيصل بن عبده قائد الحاشدي



لا اله الا الله

ابوالوليد المسلم 05-12-2023 04:56 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
الصحيح من الأثر في خطب المنبر – الجزء الرابع (PDF)
أبو عبدالله فيصل بن عبده قائد الحاشدي

لا اله الا الله


ابوالوليد المسلم 05-12-2023 04:59 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
من منبر الجامع (PDF)

محمد بن حسن أبو عقيل
لا اله الا الله




ابوالوليد المسلم 10-01-2024 04:12 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
أدب التناصح والخطابة

منال محمد أبو العزائم



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
لقد أمرنا الله تعالى بالتناصح لبعضنا البعض، كما أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبديله ما استطعنا. قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)[i]. وقال الله تعالى: {(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)} [ii]. فلأن تنصح أخاك في الدنيا خير ليه من أن يصير إلى حساب عسير في الآخرة. حتى وإن تضايق منك وأسمعك ما لا يرضيك فإنه سيرجع إلى كلامك ويعيد حساباته فيما بعد فيتوب وينتهي. وتكون بذلك نفعته وأسديت له معروفا لا ينساه لك. وتنال دعاءه بظهر الغيب. ولك الأجر من الله على النصح، والصبر على الأذى وحب الخير للناس. قال صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ)[iii]. كما تكون بذلك حققت أمر الله تعالى بخلافتة في الأرض وكونك جزء من الأمة الوسط الشهيدة على الناس. قال تعالى: {(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)} [iv].
أدلة حث الإسلام على التناصح:
لقد وردت نصوص كثيرة تحث على التناصح في القرآن والسنة، منها:
  • قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الدين النصح)[v].
  • وقول الله تعالى: {(لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)} [vi].
  • وما رُوي عن جرير بن عبد الله أنه قال: «(بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)» [vii].
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: «(نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه زاد فيه علي بن محمد ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم)» [viii].
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: «(إذا نصح العبد سيده، وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين)» [ix]. وقوله في حديث آخر: (عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه)[x].
أهمية التناصح
كل هذا الكم من الأدلة والنصوص يدل على أهمية التناصح في الإسلام. ولو تُرِك الناس دون تناصح لإنتشر الفساد والمعاصي وجهالات الناس وتماديهم في الغي والفجور. ونرى هذا بوضوح في مجتمعات الكفار، بل حتى في مجتمعات المسلمين التي يغيب فيها التناصح. وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابين. فكلنا نذنب، ولكن عندما نسمع موعظة أو نصح نرجع ونتوب ونستغفر بفضل الله تعالى. وهذا ليس عيب، ولكن العيب التمادي في المعاصي وترك التناصح وتجاهل الأوامر والنواهي الربانية. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: "يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم)[xi]. والتناصح خير ما يقدمه المرء لأخيه. فالنفس تغفل وينتبه غيرها، وتنسى ويذكرها غيرها، وتعصي وينصحها غيرها. كما يتشجع المسلمون على الطاعة مع بعضهم البعض. ولذا حث الإسلام على إلتزام الجماعة، وأمر بصلاة الجماعة، ونهى عن كل ما يجلب الفرقة والشتات. قال تعالى: {(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)} [xii]. قال صلى الله عليه وسلم: (ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية)[xiii]. أي أن الشيطان أقدر على الذي يخالف الجماعة وينفرد.
النصح عند الأنبياء عليهم السلام
وكان الأنبياء عليهم السلام ينصحون أممهم. وعلى النصح والموعظة قامت دعوتهم. ومن ذلك:
  • نصح نوح عليه السلام لقومه في قوله تعالى: {(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)} [xiv]. وقوله: {(وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)} [xv].
  • نصح صالح عليه السلام لقومه في قوله تعالى: { (فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)} [xvi].
  • نصح شعيب عليه السلام لقومه في قوله تعالى: ( {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ)} [xvii].
  • نصح هود عليه السلام لقومه في قوله تعالى: {(وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)} [xviii].
آداب النصح
وعلى الناصح أن يتبع مجموعة من الآداب حتى لا يثير بنصحه النفور والضرر لمن نصحه، ومن ذلك:
  • ألا يكون النصح على رؤوس الأشهاد، ولا بتسمية المنصوح أو إحراجه أمام الناس.
  • وتكون النية فيه طاعة الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف على حدود الله وكسب الأجر والنجاة في الآخرة وإرادة الخير والنجاة لمن أسدى له النصح. ولا تكون النية فيه أذى الناس أو تجريحهم أو التقليل من قدرهم. كما لا يكون من أجل الكسب في المنافسة أو أي غرض شخصي أو دنيوي. وعلى الداعي أن يستحضر النية الصالحة ويجعلها نصب عينيه. حتى لا يكون تعبه في هذا النصح سدىً وينقلب عليه. ولذا كانت العناية بالنية من أهم ما أمر به الإسلام. قال صلى الله عليه وسلم: «(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)» [xix].
  • ولا يكون النصح بكلمات جارحة أو أسلوب قاسي أو موقف مؤذي، بل يكون بأسلوب لين. وذلك بإتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والذي قال الله تعالى في شأنه: {(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)} [xx]. فالرفق بالناس في النصح من أفضل أساليب الدعوة. ومعظم الناس لا تأتي بالشدة في أمور الدين. فلا يمكن أن ندعو ناس وتنصحهم بالصراخ أو الأذى، لأنهم سيتركوننا أو يقابلونا بمثله. وأرى بعض أئمة المساجد يصرخون ويعلون الأصوات في خطب الجمعة وغيرها. ولو أنهم خفضوا أصواتهم وتكلموا برفق لسمع منهم الناس بآذان صاغية دون أن يتأذوا.
  • أن يستعمل الحكمة والعقل وأساليب الإقناع الجيدة، مثل ضرب المثل. قال تعالى: {(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)} [xxi]. وهناك علم كامل أُلِّفت في الكتب والمجلدات عن أساليب الدعوة. فينبغي على الناصح أو الداعية أن يطلع على بعضها ليعرف كيف يصل لقلوب الناس وتثمر دعوته وينال الأجر الكبير.
  • ألا ينصح الإنسان أخاه بترك فعل هو يفعله، أو بفعل أمر هو لا يفعله. وهذا غير مقبول في الإسلام، بل وفي كل الأعراف بين الناس حتى ولو كانوا على غير ملة الإسلام. قال تعالى: {(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)} [xxii].
  • ألا ينصحه بما يصعب عليه القيام به ولا يحمله فوق طاقته. فالإسلام دين اليسر. قال صلى الله عليه وسلم: «(يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وسَكِّنُوا ولا تُنَفِّرُوا)» [xxiii].
  • على الناصح الصبر على أذى الناس في الدعوة وإحتساب الأجر عند الله. فمعظم الناس لا يحبون النصح ولا يقبله جهالهم. وقد روى عن بعض السلف أنه قال: (من نصح جاهلا عاداه)[xxiv].
  • إستخدام أسلوب التعليم والإستدلال بالنصوص.
  • كظم الغيظ والسكوت عند الغضب وعن جهالات الناس. قال تعالى: { (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)} [xxv]. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا غضِب أحدُكم فلْيسكُتْ)[xxvi].
  • إستخدام التيسير دون العسير، قال صلى الله عليه وسلم: « (علِّموا ويسِّروا ولا تعسِّروا وإذا غضِب أحدُكم فلْيسكُتْ)» [xxvii].
  • إلتزام ما أجمعت عليه الأمة وتفادي إستخدام الفتاوى المفردة، وترك ما يجلب الفرقة والشقاق. قال تعالى: {(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)} [xxviii].
  • تخير الأوقات المناسبة للنصح. فلا يصلح أن تنصح من هو مشغول بشاغل يمنعه الإستماع أو التركيز أو قد يقوده للتشتت أثناء القيادة أو ركوب طائرة أو حضور مخاضرة في جامعة أو نحوه.
الغيرة على محارم الله
الغيرة على محارم الله وحقوق العباد من العدل في المؤمن، ولا يجدها في قلبه إلا إنسان طيب، يحب الخير للناس ولا يرضى لهم الظلم. وهي صفة يحبها الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: «(ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش)» [xxix]. وقال القائل "الساكت عن الحق شيطان أخرس". وهي عبارة منتشرة بين الناس، لم أجدها في حديث، ولكن معناها يتماشى مع موقف الشريعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك مع تحريم كتم العلم، وتحريم شهادة الزور، وتحريم الظلم والكذب وأكل مال الغير وأذى المسلمين. ومن يدافع عن الناس لحفظ حقوقهم يفك بذلك كربهم وينال الأجر من الله.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لقد أمر الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى: {(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)} [xxx]. وهي مهمة جليلة تخدم إصلاح المجتمع وبث الأمن الديني والإجتماعي والتشريعي. وبه يتطهر المجتمع من براثن الجريمة وهتك الأعراض وسرقة الأموال وغيرها من الجرائم التي تعج بها البلاد التي ليس بها أي نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي من أسس الرسالة والتعاليم الإسلامية. وقد وردت نصوص كثيرة تحث على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن والسنة، مثل قوله تعالى: {(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)} [xxxi]. وقوله: { (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)} [xxxii] [xxxiii]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «(أنصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: تحجزه -أو تمنعه- من الظلم؛ فإن ذلك نصره)» [xxxiv].
آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
  • إخلاص النية لله تعالى. ولتكن النية في القيام بهذه المهمة طاعة الله تعالى والإصلاح وإقامة شرائع الله وحدوده. قال صلى الله عليه وسلم: ( «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)» [xxxv].
  • أن يقوم بتلك المهمة فرقة من المسلمين، وذلك لقوله تعالى: { (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)} [xxxvi].
  • ويجب أن تتصف هذه الفرقة بالعلم والتقوى والإخلاص. فلا يقوم بها عاصي أو مقصر. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بالمعروف دون عمله والنهي عن المنكر وعمله. وبين أن ذلك من أسباب عذاب القبر في قوله صلى الله عليه وسلم: « (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، من هؤلاء؟، قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤن كتاب الله ولا يعملون به)» [xxxvii].
  • يفضل تدخل الدولة في هذه المهمة لإنجاحها. فالناس تستمع لموظفى الدولة أكثر من الأفراد. كما أن تدخل الدولة في هذا السياق ينظم الأمر ويجعله أكثر جدية وتوثيق.
  • يستن دعوة الناس بالرفق والرحمة. قال تعالى: { (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)} [xxxviii].
  • الصبر على القيام بهما، وتحمل مشاقها. قال تعالى: {(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)} [xxxix].
  • عدم الأذى والتجريح للناس. ولا ينبغي رفع الصوت والتهديد والصراخ، ولا يكون الأمر بالقوة والجبروت. قال تعالى: {(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)} [xl].
التناصح في الخطابة
إن التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرا ما يكون عن طريق الخطابة في خطب الجمعة أو العيدين أو غيرها. حيث يقف الخطباء سوى كانوا من أئمة المساجد أو من علماء الأمة أو القراء أو العموم المتفقهون في الدين ويلقون الخطب المنبرية. وهي مصدر جيد للتعليم خاصة في بلاد الغرب. حيث يحرص كثير من المسلمين سواء كانوا رجالاً أو نساءً أو أطفالاً لحضور خطبة الجمعة. وتكون بمثابة المصدر الرئيسي للعلم لكثير من المسلمين الجدد الذين يحتاجون من يدلهم ويرشدهم الطريق. فتكون أكثر تلك الخطب مترجمة وبلغة سهلة يفهمها المستجدين في الإسلام. كما تكون كإجتماع إسبوعي للمسلمين في بلاد الغربة يجتمعون فيه وتناقش فيه قضايا تهمهم. ولذا ينبغي أن يكون الخطباء متمكنين من الخطابة ليستطيعوا إلقاء الخطب المنبرية الجيدة. وتبدأ الخطبة عادة بالإستعاذة والإستعانة بالله ثم الصلاة والسلام على رسول الله وصحبة وآله. ثم يتلوها خطبتين، واحدة تلو الأخرى. يقول فيها الخطيب مواعظ ونصح وتوجيهات على شكل مختصر وجذاب يدخل لعقول الناس دون الحوجة لكثير من التركيز أو الإنتباه. فهي من السهل الذي قل ودل. ولذا قد أفرد العلماء الخطابة كعلم له أصوله وآدابه التي أُلِّفت فيها الكتب والمصنَّفات. وهي من أقوى وسائل التناصح، حيث يتهيأ المستمعين وينصتوا لما يقوله الخطيب ويتلقونه بصدور رحبة نتيجة لتلك التهيئة المسبقة. ولذا على الخطيب تخير الكلمات التي تصيب سهامها القلوب وتحقق المرجو منها. قال صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان سحرا)[xli].
ما ينبغي توفره في الخطيب
  • عليه إخلاص النية لله تعالى. فلا يتولى هذه المهمة منافق أو مرائي. بل توكل للعلماء المخلصين.
  • عليه أن يكون سوى العقيدة، فلا يتبع أي من الملل المنحرفة في باب العقيدة كالشيعة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم. ولا يسعه إلا إتباع أهل الفرقة الناجية المنصورة، أهل السنة والجماعة.
  • على الخطيب أن يكون متمكن من الخطابة ليستطيع إلقاء الخطب المنبرية.
  • عليه الإلمام باللغة العربية وتصريفاتها وإعرابها. كما يستحسن إلمامه بموضوعات البلاغة من إستعار وكناية ومجاز وغيره. كما عليه الإلمام بالأساليب اللغوية المختلفة.
  • عليه الإلمام بالعلوم الشرعية، فلا ينبغي أن يكون الخطيب جاهلاً أو مبتدئاً فيها.
  • عليه أن يكون سوى النطق، ولا يستحي من الوقوف أمام الناس للإلقاء.
  • عليه أن يحسن فن التعامل مع الناس ويخالقهم بخلق حسن. فلا ينبغي أن يكون الخطيب ضيق الخلق سريع الغضب، ينفر منه لناس لسوء خلقه. قال صلى الله عليه وسلم: « (خالق الناس بخلق حسن)» [xlii].
  • عليه الصبر على الردود السخيفة والإنتقادات. كما عليه أن يحسن الرد عليها وتفنيد الأقوال الفاسدة.
  • عليه أن يحسن فن الكتابة، والأفضل له أن يحضر خطبه بنفسه بدلاً عن نقلها من غيره. فذلك أدعى له أن يتذكر الخطبة أكثر ممن نقلها من غيره. وإن كان لا بأس بالنقل إن لم يستطيع الكتابة، أو خلط هذا وذاك.
  • على الخطيب الحرص على نظافته وطهارته، حتى يدخل المسجد ليصلى بالناس وهو نظيفاً طاهراً. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ تعالى طيبٌ يُحِبُّ الطيبَ، نظيفٌ يُحِبُّ النظافةَ، كريمٌ يُحِبُّ الكرَمَ، جوَادٌ يُحِبُّ الجودَ، فنظِّفوا أفنيتَكم، ولا تشبَّهوا باليهودِ)[xliii].
  • يجب ألا تكون رائحته كريهة. فلا ينبغي أن يخطب في الناس ورائحته تفوح عرقاً وتؤذي المصلين.
  • عليه تجنب أكل البصل والثوم والكراث والبقلة[xliv]. وذلك لرائحتهم الكريهة. قال صلى الله عليه وسلم: «(من أكل من هذه الشجرة يريد الثوم فلا يغشنا في مسجدنا)» [xlv]. وفي رواية: «(من أكل من هذه البقلة، الثوم، وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)» [xlvi].
  • عليه إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الجمعة. وكذلك سنن الفطرة من قص الأظافر وغيرها.
  • على الخطيب أن يحسن ثيابه ومنظره، فلا يلقى الناس بثياب بالية أو ممزقة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب من الثياب الحبرة، وهي الثوب الجميل.
وأختم كلامي بالتأكيد على أهمية التناصح، إبتغاء الأجر من الله. وكذلك بهدف إصلاح الأمة ونشر الخير وطرد الرذيلة والمنكرات من المجتمع. والتوصية بإتباع آداب التناصح والخطابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخلاص النية، وتجويد الخطب، وإتباع أساليب الدعوة المجدية للوصول إلى المبتغى، والإستعانة بالله تعالى في كل ذلك. هذا فإن أصبت فمن الله وبتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المراجع والمصادر
  • القرآن الكريم.
  • الموسوعة الحديثية، الدرر السنية.
  • مختار الصحاح.
[i] مسلم 55.

[ii] آل عمران 110.

[iii] أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (2/1)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (1234) واللفظ لهما، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5787) مطولاً.

[iv] البقرة 143.

[v] صححه الألباني في صحيح الجامع (2324).

[vi] التوبة 91.

[vii] البخاري 1401.

[viii] صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (188).

[ix] البخاري 2550، ومسلم 1664.

[x] أخرجه الترمذي (1642) واللفظ له، وأحمد (9492) مطولا.

[xi] مسلم 2577.

[xii] المائدة 2.

[xiii] ذكره شعيب الأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود (547)، وقال إسناده حسن.

[xiv] الأعراف 62.

[xv] هود 34.

[xvi] الأعراف 79.

[xvii] الأعراف 93.

[xviii] الأعراف 65-68.

[xix] البخاري 1.

[xx] آل عمران 159.

[xxi] النحل 125.

[xxii] البقرة 44.

[xxiii] أخرجه البخاري (6125)، ومسلم (1734).

[xxiv] اللؤلؤ المرصوع 202.

[xxv] آل عمران 134.

[xxvi] أخرجه أحمد (2136) واللفظ له، والبزار (4872) باختلاف يسير، والطبراني (11/33) (10951) مطولاً.

[xxvii] أخرجه أحمد (2136) واللفظ له، والبزار (4872) باختلاف يسير، والطبراني (11/33) (10951) مطولاً.

[xxviii] آل عمران 103.

[xxix] البخاري 5220.

[xxx] آل عمران 110.

[xxxi] التوبة 71.

[xxxii] الأعراف 157.

[xxxiii] موضوعات القرآن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

[xxxiv] البخاري 6952.

[xxxv] مسلم 49.

[xxxvi] آل عمران 104.

[xxxvii] الجامع الصحيح للسنن والمسانيد، من أسباب عذاب القبر، الأمر بالمعروف وعدم إتيانه والنهي عن المنكر وإتيانه، 2/119.

[xxxviii] الأعراف 199.

[xxxix] لقمان 17.

[xl] آل عمران 159.

[xli] أخرجه البخاري (5767)، وأبو داود (5007)، والترمذي (2028)، وأحمد (5687) واللفظ له.

[xlii] أخرجه الترمذي (1987)، وأحمد (21392).

[xliii] صححه السيوطي في الجامع الصغير (1742).

[xliv] البَقْلُ معروف، الواحدة بَقْلَةٌ. والبَقْلَةُ أيضاً: الرِجْلَةُ، وهي البَقْلَةُ الحمقاء. والمَبْقَلَةُ: موضع البَقْلِ. ويقال: كلُّ نبات اخضرّت له الأرضُ فهو بَقْلٌ. مختار الصحاح.

[xlv] أخرجه البخاري (854)، ومسلم (564).

[xlvi] أخرجه البخاري (854) مختصرا، ومسلم (564).


ابوالوليد المسلم 19-01-2024 02:38 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 




كيف نخاطب الجماهير..؟!


دأب عدد كبير من رموز الصحوة الإسلامية على مخاطبة الجماهير من خلال المنابر المختلفة، ووجد كثير منهم - والحمد لله - إقبالاً واسعًا، والتفتت الجموع بين أيديهم، وهذه نعمة عظيمة يفتقدها كثير من رموز الفكر والأدب والثقافة الآخرين.
ولهذا فمن الواجب على العاملين في حقل الدعوة إعادة النظر في طروحاتهم وطريقتهم في الخطاب وتقويمها؛ لتحصيل أعلى المصالح ودرء المفاسد قدر الإمكان، والاستفادة من التجربة الماضية. وهاهنا أمور أرى أنه ينبغي مراعاتها في هذا الأسلوب:

أولاً: الإيمان بالهدف:
من المسلم به بعد الدراسة ومراقبة الواقع أن صلة الجماهير بالدعاة والمصلحين تزداد وترسخ مع الوقت إذا اطمأنوا إلى صدقهم وجديتهم وإيمانهم العميق بأهدافهم التي ينادون بها، واستعدادهم القوي على تحمل تبعات تلك المبادئ والتضحية من أجلها. وفي ا لمقابل نجد أن الجماهير تنفض عن تلك الرموز إذا رأت فيها العجز والهوان، أو أحست ضعف مصداقيتها وجديتها، وقديمًا قال الرافعي: "رؤية الكبار شجعانًا هي وحدها التي تخرج الصغار شجعانًا، ولا طريقة غير هذه في تربية شجاعة الأمة".

ثانيًا: الحذر من الخيلاء وحب الرياسة:
محبة الناس للمصلح وتجمعهم بين يديه فتنة عظيمة قد تطغى على بعض ذوي النفوس الضعيفة، وتُنبت فيها الخيلاء والاستكبار وحب الرياسة، وتصرفها عن كثير من معالي الأمور. وكم من الرموز التي تساقطت ولَفَظتها الجماهير، أو تناستها حينما غلبت عليها تلك الشهوة، وقد قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: " «ما ذئبان جائعان أُرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» ".

ولهذا قال ابن تيمية: "كان شداد بن أوس يقول: يا بقايا العرب، يا بقايا العرب! إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. قال أبو داود صاحب السنن: الشهوة الخفية: حب الرياسة. وذلك أن حب الرياسة هي أصل البغي والظلم".
وملاحظة النفس ومراجعتها من أعظم أبواب المجاهدة التي ينبغي للمرء أن يأخذ بها، والغفلة عن ذلك قد تؤدي إلى الزلل، ومن تعلق قلبه بحب الظهور صغرت نفسه، وغلبت عليه الأهواء الشخصية، وتردى في سلسلة من الانحراف التي تزيد بزيادة تلك الآفة القلبية، وما أحسن قول الرافعي: "إذا أسندت الأمة مناصبها الكبيرة إلى صغار النفوس كبرت بها رذائلهم لا نفوسهم".

ثالثًا: الحذر من الانسياق الأعمى خلف العامة:
حينما يتصدر المرء لمخاطبة الجماهير قد يقع - من حيث لا يشعر! - في دائرتهم، فيقودونه ويدفعونه لمحبوباتهم، ويزداد تأثره بمشاعرهم الجياشة عند كثرة الهتاف والتصفيق، وتأخذه النشوة بكثرة الحشود؛ ومعلوم أن نسبة كبيرة من أولئك العامة لا ينظرون إلى أبعد من مواقع أقدامهم، ولا يحيطون بكثير من التداخلات الفكرية والسياسية، ولا يزنون ردود الأفعال بالموازين العلمية. وأحسب أن التأثر بالجماهير نوعان:
الأول: التأثر الإيجابي:
وهو في غاية الأهمية؛ لأنهم يشعرون بالتفاعل والاهتمام، ويَحِسُّون بأهمية آرائهم، وقيمهم المعنوية، كما يحسون بدورهم في البناء والتغيير؛ مما يزيدهم ارتباطًا بهم ورغبة في الإصلاح، ويحفزهم إلى المزيد من التجاوب والتعاون.

الثاني: التأثر السلبي:
حيث ينساق المرء وراء عواطفهم، ويقع في شراكهم، ويصبح برنامجه الإصلاحي مرتبطًا برغباتهم، وخطته العملية متأثرة بأهوائهم، وتكون النتيجة أن الجماهير هي التي تقوده، وهو يحسب أنه يقودهم!!

رابعًا: الدقة في الخطاب:
الخطيب الذي يتصدر لمخاطبة الجماهير لا يسلم من الخطأ والزلل، حاله كحال غيره من المتحدثين، "وليس صنف من الناس إلا وله حشو وشوْب". ولكن خطأ الخطيب يكون على رؤوس المنابر يسمعه الناس كبيرهم وصغيرهم، وقد يطير خطؤه في الآفاق، وبعض أصحاب النفوس المريضة يكون همه أن يتصيد العثرات، ويتسقَّط الزلات، وتكون فاكهته التي يتندر بها ويفرح، ولهذا قال عمر بن الخطاب: "ما كانت على أحد نعمة إلا كان لها حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح لوجد له غامزًا".

ولما قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد! إن هاهنا قومًا يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك! فقال الحسن: "يا هذا! إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إني لما رأيت الناس لا يرضون عن خالقهم علمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم".

إن من يتصدر لمخاطبة الناس عليه أن يعتني بما يصدر عنه اعتناءً شديدًا، وينتقي عباراته انتقاءً دقيقًا، ويحرص حرصًا كبيرًا على أن يخرج كلامه بدقة وإتقان، حتى ينفع سامعيه ويسد - قدر الطاقة - منافذ الهوى عند بعض الناس، ومع ذلك كله لن يسلم أحد من الخطأ مهما بلغ حرصه. ويعجبني المتحدث الذي يملك الجرأة والشجاعة على مراجعة أقواله، ويوضح ما استشكله الناس عليهن ويعترف بخطئه إن كان ثمة خطأ.

خامسًا: الحذر من التعلق بالأشخاص:
من الآفات المزمنة التي تظهر عند كثير من الجماهير؛ سواء أكان ذلك على المستوى الفكري أم الدعوي أم الاجتماعي أم الفقهي.. ونحوها: التعلق بالرموز والانكفاء عليها، والشعور بأن هؤلاء وحدهم القادرون على إحياء الأمة والنهوض بها من كبوتها، فإذا عجز هؤلاء أو حبسهم العذر أصيب الناس بالإحباط، وثارت في كوامنهم دواعي العجز والحيرة، ويؤدي التعلق بالأشخاص أحيانًا إلى ازدراء مصلحين آخرين ربما لا يقلون عن غيرهم أصالة وفهمًا وقدرة، وقد يؤدي هذا التعلق إلى طمر الإمكانات الكامنة في بقية الأفراد، أو عدم استغلال الفرص السانحة لهم.

وقد يُرسِّخ هذا المفهومَ بعضُ هؤلاء الرموز، ويدفع الناس إلى تقليده وتعظيمه، بلسان المقال حينًا، وبلسان الحال أحيانًا أخرى، والتقليد قاصمة من القواصم التي تقتل كل ملكات الإبداع والتفكير، وتحوِّل الجماهير إلى مجرد قطعان هائمة يسوقها الراعي ذات اليمين وذات الشمال، وهي تستجيب له بكل دعة وخنوع. والنجاح الحقيقي للمصلحين ليس بالقدرة على أن يصرفوا وجوه الناس إليهم فحسب، بل بالقدرة على إحيائهم واستنبات البصيرة في عقولهم؛ فمن تبعهم تبعهم بحجة وبرهان؛ ولذا فإن الواجب على هؤلاء المصلحين أن يرسخوا ضرورة ارتباط الناس بالمنهج الصحيح وليس بذواتهم.

سادسًا: وضوح الرؤية:
تتم مخاطبة الجماهير عند بعض المصلحين بطريقة تلقائية راتبة؛ حيث لا توجد لديهم رؤية واضحة، ولا يدرون خلالها ما الأهداف ذات المدى البعيد التي يريدون الوصول إليها؛ وقد ترى أن كثيرًا من طروحاتهم الفكرية والدعوية مبنية على خواطر مشتتة تطرأ على أذهانهم من هنا وهناك، بل تلمس أحيانًا أن بعضهم لا يعطي لنفسه فرصة التفكير في برنامجه العملي، ولهذا تراه يجتر كثيرًا من أقواله وأقوال غيره بدون بصيرة!

إن وضوح الأهداف يعين كثيرًا على الاعتبار بالماضي واستبصار الحاضر واستشراف المستقبل، ويدفع المرء إلى رسم أطر واضحة يعرف فيها بدقة: ما الموضوعات التي سوف يتحدث عنها؟! وما القواعد التي يريد بناءها؟! وما الأمراض الفكرية والمنهجية التي يقصد معالجتها؟! وما أنسب السبل لتحقيق ذلك؟ ويعرف في ذلك الأولويات التي ينبغي البدء بها، ويحدد طريقة المعالجة، ونحو ذلك مما يعدُّ من البدهيات المنهجية التي لا غنى عنها.

سابعًا: تلمُّس احتياجات المخاطبين:
احتياجات الناس المنهجية والفكرية والعملية كثيرة جدًّا، ويتميز المصلح الجاد بقدرته على تلمُّس احتياجات الناس، وكم من الأشخاص الذين اعتادوا على مخاطبة الجماهير تراهم يشرِّقون ويغرِّبون، ويتحدثون عن أشياء كثيرة لكنهم بعيدون عن نبض الشارع واهتمامات الناس.
ومعلوم بأن المستمع قد يقترب من المتحدث كثيرًا، ويألفه في بداءة أمره، لكنه يبتعد عنه شيئًا فشيئًا إذا فقد المادة الأصلية المتجددة التي تشبع حاجاته وطموحاته، ولا شك بأن الذي يشدُّ الجمهور ويوثق صلتهم بالمتحدث هو شعورهم بالحيوية والتجدد، وهذا - فيما أحسب - أحد المعايير الرئيسة للاستمرار والبقاء.

ثامنًا: الحذر من الاكتفاء بالخطاب العاطفي:
يغلب على كثير ممَّن يعتني بمخاطبة الجماهير اعتماد الخطاب العاطفي الذي يُبنى على استثارة المشاعر، ولا شك بأن هذا مطلوب ولا غنى للناس عنه، ولكنه وحده لا يكفي على الإطلاق، بل إن الاكتفاء به وحده قد يؤدي إلى خلل في البناء. نعم قد تجمع العاطفة أناسًا كثيرين، ولكنها وحدها لا تحيي الأمة، ولا تبني رجالاً، ولا تجعلهم يثبتون أمام الأعاصير والفتن.
كثيرون أولئك الخطباء والمصلحون الذين يستطيعون تجميع الناس واستثارة عواطفهم، ولكنهم القلة القليلة منهم هي القادرة على إعادة بنائهم وتشكيل عقولهم وصناعتهم من جديد.


وإن من أكبر التحديات التي تواجه دعاة الإصلاح: هي القدرة على توظيف الطاقات، واستثمارها في البناء والعطاء، وكم هي الطاقات المهدرة التي طالما استُهلكت في التصفيق والصراخ والهتافات الساخنة أو الباردة!
ولذا كان مما ينبغي لدعاة الإصلاح إداركه أن من واجبهم التأثير الفكري والمنهجي في الجماهير، ورفع مستواهم الثقافي، وإحياء الوعي في صفوفهم، وتربيتهم تربية راسخة عميقة، والانتقال بهم من مرحلة تكثير السواد إلى مرحلة العطاء والوعي الإنتاجي.
يخيَّل لبعض المصلحين حينما يرى أتباعه يحيطون به من كل جانب أنه لو دعاهم إلى تحرير القدس لما تخلف منهم رجل واحد، ولخاضوا ألوان المخاطر لتحقيق هذه الغاية العظمى، ولكنه يفاجأ بأن كثيرًا منهم سرعان ما يتخلف عنه ويتعذر بمعاذير واهية عند أول عقبة قد تواجهه في مسيرته! ولست هنا أدعو إلى ترك ا لجماهير أو عدم الثقة بهم، ولكنني أدعو إلى تغيير آلية الخطاب ليستوعب المتغيرات الاجتماعية والفكرية الحديثة.

لقد ظلت الجماهير عقودًا متتابعة مغيبة يعبث بعواطفها أدعياء التحرر والوطنية، وهاهنا يأتي دور المصلحين من جديد لإعادة تشكيل عقولهم وصناعة أفكارهم، ولا شك بأن هذا يتطلب جهدًا كبيرًا ونفسًا طويلاً.

تاسعًا: الارتقاء بمستوى الخطاب:
كثير من الطروحات التي نسمعها من الخطباء وأمثالهم تعالج هموم العامة ومشكلاتهم، وتتوافق وطموحاتهم وتطلعاتهم، ولا شك بأن هذه الطموحات محدودة، وتدور في أطر ضيقة، وقد يغفل بعض أولئك الخطباء عن مخاطبة طبقات أخرى في المجتمع، ولا بأس أن يوجد من يتخصص في مخاطبة العامة ويقصر اهتمامه على دائرتهم، ولكن ليس من المقبول على الإطلاق أن يتوجه أكثر خطبائنا إلى هؤلاء ويغفلوا عن الدوائر الأخرى!

إننا نعيش في عصر الانفتاح الإعلامي الذي أدى إلى انفتاح اجتماعي وفكري عريضين، وأصبحت قوة الخطاب وجاذبيته والتزامه بالمنهجية العلمية من أهم أدوات التأثير الفكري، وأعتقد بأن الارتقاء بمستوى الطرح والمعالجة في غاية الأهمية، فما يصلح في المدرسة قد لا يصلح في الجامعة، وما يصلح في المسجد لا يصلح في وسائل الإعلام، وما يصلح في البلد قد لا يصلح في البلد الآخر.. وهكذا.

وأذكر أنني استمعت ذات يوم إلى برنامج حواري اشترك فيه أحد المفكرين الإسلاميين مع مفكر ليبرالي، فآلمني جدًّا أن صاحبنا كان يتحدث بلغة عاطفية خطابية هزيلة، بينما كان يتحدث ذلك الليبرالي بطريقة مركزة تتسم بالذكاء والمراوغة، شعرت من خلالها أنه يعرف ماذا يريد. ولا شك بأن الفتنة بمثل هذا كبيرة لجمهور عريض من العامة!

عاشرًا: إيجاد البرامج العملية الجادة:
من الجوانب المهمة في مخاطبة الجماهير: أن ندفعهم إلى برامج عملية مثمرة، فالتفاعل المجرد يبقى أثره محدودًا، ولكن حينما يستثمر تفاعلهم في بناء المجتمع ونشر الدعوة وبذل المعروف، سوف نجد بإذن الله تعالى طاقات كثيرة تبدع وتنفع ما كنا نتوقع منها ذلك.
______________________________________
في البناء الدعوي

منقول









ابوالوليد المسلم 27-01-2024 12:11 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 




رسالة إلى خطيب

وحيد عبد السلام بالي


الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
فإن الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الأعمال، وكيف لا تكون كذلك وهي رسالة الرسل والأنبياء، وطريق المصلحين والعلماء، لا يقوم الدين إلا بها، ولا ينتشر إلا عن طريقها.

الداعي إلى الله تعالى قائل بأحسن قول: قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33].

ولقد بشر الله سبحانه الدعاة إلى الله بالفلاح في الدنيا والآخرة: فقال سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة لعباد الله المؤمنين: قال سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:71].

وحسبك أخي الداعية أن المخلوقات تدعو لك بظهر الغيب؛ فقد روى الترمذي بسند جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على مُعَلِّمِ الناس الخير».

أخي ـ خطيب الجمعة ـ: إن خطبة الجمعة لها أهمية كبرى بين وسائل الدعوة المتاحة للدعاة، فقد يتكاسل الناس عن المحاضرة، وقد يتخلفون عن الدرس، لكنهم لا يتخلفون عن الجمعة، إلا الذين لا يصلون أصلاً، لأن المسلمين مأمورون جميعا بحضور الجمعة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9]. ولذا فقد تجد أمامك جمعا غفيرا من المسلمين، وربما تجد من بينهم من لا يدخل المسجد إلا يوم الجمعة، وستجد فيهم الصالح والطالح، والمفرط والمحافظ، والمتواضع والمتكبر، والمتقبل والمعاند. بل ستجد منهم المتعلم والأمي، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، وغير ذلك من فئات المجتمع، فكيف تخاطب هؤلاء جميعا بالأسلوب المناسب، وكيف تستغل هذا الموقف للأخذ بأيدي هؤلاء جميعا إلى طريق الله عز وجل؟
فبات من الواجب عليك ـ أخي الخطيب ـ أن تتعلم فن الدعوة؛ لتقدم تعاليم الإسلام في أبهى منظر وأجمل حلة.

أسباب نجاح الخطبة
1ـ التكلم باللغة العربية الفصحى:
ينبغي على الخطيب أن يحرص على أن يلقي خطبته بالفصحى قدر جهده، لأنها لغة القرآن الكريم، وشعار الإسلام.
والحديث بالفصحى يضفي على خطبتك إشراقا، وعلى كلماتك نوراً، وفي نفوس مستمعيك قبولا.

2ـ التوسط في الإلقاء:
بحيث لا يكون كلامك سريعا فلا يفهم، ولا بطيئا فيمله السامعون، ولتعط لكل موقف ما يلزمه، فإذا احتاج إلى انفعال أسرعت، وإن احتاج إلى إقناع أبطأت.

3ـ الاقتصاد في الخطبة:
فلا تكون طويلة مملة، ولا قصيرة مخلة، ولا تكون متشعبة الأفكار، كثيرة الشواهد، ركيكة المعاني، بل موجزة مقتصدة، وتلك هي السنة، فقد قال سيد الخطباء صلى الله عليه وسلم: «إنَّ قصر خطبة الرجل، وطول صلاته؛ مئنة من فقهه». (رواه مسلم)، لأن القصر والإيجاز وإيصال المعنى من أقرب طريق؛ دليل على الفصاحة والعلم والفقه.

4ـ ربط الخطبة بالواقع:
عليك أن تتحسس مشاكل مدينتك وتعالجها من فوق أعواد منبرك، تعايش الناس وتترك المنبر يجيب عن تساؤلاتهم، فحينما تكون خطبتك منتزعة من الواقع تكون أقرب إلى قلوبهم وأوقع في نفوسهم.

5ـ المخاطبة على قدر الفهم:
فلا تخاطب العوام بمنطق علمي مرتفع، ولا المتعلمين المثقفين بمنطق بدائي ممجوج، بل تخاطب الناس على قدر عقولهم وعلومهم.

6ـ الترفع عن الغلظة في القول والبذاءة في اللسان:
فلا تحقر مستمعيك، ولا تقلل: من شأنهم، ولا ترميهم بالجهل وقلة الفهم، ولا تقذفهم بالفسق والفجور، أو غير ذلك مما لا يليق بمكانة الداعية ـ حتى ولو كانوا كذلك ـ، بل تتلطف بهم في الحديث، وترفق بهم في القول. قال تعالى ـ مبينا سبب اجتماع الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم ـ: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]. وقال تعالى ـ مرشداً للطريقة المثلى في الدعوة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125].

7ـ استثارة همم المدعوين بما يفتح قلوبهم:
كان تخاطبهم بـ (يا أخوة الإسلام)، (يا أيها المؤمنون)، (يا من آمنتم بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا)، وما شابه ذلك مما يفتح قلوبهم ويقرب نفوسهم، فإن المحبة مفتاح القلوب.

فهذا إبراهيم عليه السلام يذكر أباه برابطة الأبوة أثناء دعوته، فيقول: {يا أبت..} [مريم: 42]، ويكررها كثيراً.

وهذا لقمان يذكر ابنه برابطة البنوة ليكون أدعى لقبول الموعظة، فيقول: {يا بني لا تشرك بالله...} [ لقمان: 13].

وهذا هود عليه السلام يذكر قومه برابطة القرابة فيقول: {يا قوم..} [ هود: 50].

وربنا تبارك وتعالى يذكر المؤمنين بإيمانهم، ليردهم وازع الإيمان إلى الاستجابة والطاعة،فيقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا...} [ البقرة: 153].

8 ـ الابتعاد عن الحركات الكثيرة:
ينبغي أن تتسم بالاتزان أثناء الإلقاء، فلا تتحرك أو تشير إلا في الموقف الذي يدعو إلى ذلك، وعليك بتجنب الحركات التي تسقط هيبتك من أعين الناس، مثل كثرة بلع الريق، وفتل الأصابع، والسعال المتكلف، وكثرة الالتفات، وما شابهها.

9 ـ حسن المظهر:
ينبغي أن تصعد المنبر بالمظهر اللائق بالداعية، فلا تلبس ثيابا رثة، أو ممزقة، ولا تلبس ثياب المترفين الرقيقة الشفافة.
فعليك أن تكون نظيف الثياب من غير تبرج، طيب الرائحة من غير إسراف، مهيب المنظر من غير تكلف.

10ـ التحضير الجيد للخطبة:
لا تصعد المنبر إلا وقد حددت موضوعك، ورتبت أفكارك وانتقيت ألفاظك، حتى لا ترتج عليك العبارات، وتستعجم عليك الكلمات، فلا تتمكن من تبليغ دعوة مولاك.
ولا بأس في أن تستمع إلى أشرطة الخطباء المشهورين، والوعاظ المبرزين لتتدرب على طرق الإلقاء، ووسائل التأثير، وأساليب الإقناع.

11. ألا تصعد المنبر وأنت ممتلئ المعدة:
لأنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وكسلت الأعضاء عن العبادة. وقال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم، وأفهم وصفا ورقَّ، وإن كثرة الطعام لتثقل صاحبها عن كثير مما يريد. وقال الشافعي: الشَّبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة،ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.

تلكم هي أسباب نجاح الخطبة، فاحرصوا عليها إخواني الخطباء، وكونوا منها على ذكر دائما، وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.









ابوالوليد المسلم 29-01-2024 12:31 PM

المواعظ الذهبية: زاد للخطيب والواعظ (pdf)
 
المواعظ الذهبية: زاد للخطيب والواعظ (PDF)
أبو عبدالله فيصل بن عبده قائد الحاشدي

لا اله الا الله




ابوالوليد المسلم 03-02-2024 03:26 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 




خطبة الجمعة ومكانتها في الإسلام


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والفرقان، وجعله بأشرف لغة وأحسن بيان، بهر بجمال أسلوبه أربابَ فصاحة اللسان، وأعجز بنظامه وقوة بيانه أهلَ الكفر والطغيان، وجعله قائمًا ومهيمنًا على جميع الكتب والأديان.

والصلاة والسلام على من جعله الله داعيًا ورسولًا، وللناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، وأمره أن يعظ قومًه وعظًا حسنًا، ويقول لهم في أنفسهم قولًا بليغًا، فقام برسالة ربه بأحسن وجوه الوعظ وأتمها، ودعا إلى ربه بأفصح لغة وأبلغها، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا من ابتعد منها وحاد عنها، فأصبحت أمته خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس بنبيها، وفضائلها التي فضلت بها على غيرها، أما بعد:

فإن الدعوة إلى الله شرفٌلا يعد له شرف، ومنزلةٌ وكرامة لا تضاهيها أية منزلة، ويغنيك من الكلام عن شرفها وعظيم قدرها ومنزلتها، قول الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، فالدعوة إلى الله هي مقام الأنبياء، والرسل والأصفياء، وحسبها شرفًا أنها وظيفة قادة الأمم من الأنبياء والصالحين والخلفاء، ومن شاكَلهم من العلماء، فلا أحسن كلامًا، ولا أشرف مقامًا ممن دعا إلى الله سبحانه وتعالى.

وحسب الخطيب والداعية إلى الله، ومن يقف لوعظ الناس وهدايتهم وإرشادهم - أنه يدعو إلى خالقه، وأنه يدعو ويقف مقام أنبياء الله ورسله، وأن هذا المقام وهذه المنزلة والرفعة لا تساويها كراسي ملوك الدنيا، بل لا تساويها الدنيا، وما حملته على ظهرها.

بل إن الداعية إلى الله، وخطيب الجمعة – خاصةً - حين ينزل من على منبره، وبعد أن عرَّف الناس ودعاهم إلى خالقه، ليجدُ سعادةً، وراحة تنزل على قلبه لا يجدها من عاش بين لذة الحياة ومتعتها، بل هي الراحة والسعادة والكرامة بعينها.

والداعي إلى الله هو الدليل والطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى، فكل من وصل إلى الله، وتعرف عليه، أو تاب ورجع إليه، فللدليل المعَرِّف عليه من الأجر والثواب كما للذي رجع إليه، كما قال سيد الدعاة عليه الصلاة والسلام: «الدال على الخير كفاعله»[1].

فالدعوة إلى الله هي التجارة الرابحة، وهي الحياة الهادفة الناجحة؛ لأن الداعي إلى الله كالغيث أينما حل نفع، وحيثما كان انتفع، فكم هدى الله أممًا بسبب دعاة أقاموا فيها، وكم من قرية كانت ميتة ببعدها عن ربها، فأحياها الله بداعية نزل بها، أو عالم حلَّ فيها، كم من قبيلة اشتد عداؤها، وسالت دماؤها، فألَّف الله بين قلوبها بداعية إلى الله ذكَّرها ووعظها، ورغَّبها ورهَّبها، فأصلح الله به ما عجز غيره عنه.

فلا عجب أن يكون العلماء والدعاة إلى الله ورثة أنبياء الله في أرضه، وصفوته من خلقه، ونسأل الله أن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا من دعاته، وورثة أنبيائه، وحماة دينه وأنصار شريعته!

[1] الترمذي (2670)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه.
منقول









ابوالوليد المسلم 03-02-2024 03:45 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 




ماذا لو تكلم خطيب الجمعة عن...

محمد بوقنطار


"م «ر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد رضي الله عنه وهو يتوضأ فقال له: لا تسرف في الماء، فقال له وهل في الماء من إسراف؟! قال: نعم، وإن كنت على نهر جار» ".
إن هذا النص الشريف يقصر المسافات ويختصر الخطب ويبتسر المطولات، وقد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، من عظيم معنى وبديع مبنى، وإن أمة تتبع أوامر نبيها في ترشيد استعمال ماء الوضوء وقد علمنا مكانته من الصلاة عماد الدين وركنه الثاني بعد الشهادتين، لحري بها أن تكون بعيدة عن ملمح التبذير وملحظ الإسراف فيما دونه.
لقد كان موضوع خطبة الجمعة اليوم عن ترشيد استهلاك واستعمال الماء في ظل ما تشهده البلاد من ترادف سنوات الجفاف، وانتظار ذلك اليوم الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، وهو موضوع نرى أن الخوض في تفاصيله أمر قد أملته الحاجة ونادت به الضرورة، نسأل الله غيثا نافعا يحيي به الأرض بعد موتها.
والسؤال الذي نحب ونود أن نطرحه في سياق الافتراض هاهنا مفاده: ماذا لو تكلم السيد الخطيب عن مشاكل المواطنين الذين يشكون ويعانون ويتألمون في صمت ومغلوبية من حجم الفواتير المرتفعة السومة، والواجبة الأداء حالا لا مآلا، المقدرة الربح من شركات أجنبية فازت بصفقة بيع الماء لمعشر المؤدين لصلاة الاستسقاء، المتضرعين لله أن يرزقنا الغيث حتى نشتريه من أولئك المضاربين فيه بجشع قل نظيره وعز مثيله حتى في بلدانهم ذات الصقيع القاتل...
إن الخطيب لو حام حول حمى هذا البيع الغابن، لكان أن وصلته للتو تلك الرسالة المعلومة السياق، والتي تنعي إليه خبر تعطيل مهمة الخطابة وترجله من على منبره إلى أجل معلق لا رجعة في حكمه، كما تبين وتناهى إلى سمعنا، وتراءى إلى أبصارنا، على بدء متكرر الوقوع، لم نعد نحفل بعد وإحصاء وحساب عدد ضحاياه من خطباء الجمعات بهذه المملكة الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها رغدا من كل مكان...
نسأل الله أن يرفع عنا مقته وغضبه، وأن يردنا إليه ردا جميلا، آمين يا رب العالمين








ابوالوليد المسلم 09-02-2024 10:42 AM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 




الخطباء كثر ولكن...


من يعظ فينا كثرٌ، ومن يتكلم، ويشارك بالكلام أكثر!
جمعٌ غفيرٌ هم خطباء الجمع، بل الآلاف ومئات الآلاف من الخطب التي تُلقى على الملايين من المسلمين والمستمعين. والخطباء يتنوع خطابهم، وتختلف أساليبهم، ومدى تأثر الناس بهم، فمنهم من إذا سمعه الحاضرون استقبلوه بوجوههم، وسقطت دموعهم على خدودهم، بل يتمنون أن يقف الساعات ليعظهم ويذكرهم، وربما يعدُّون أيامهم شوقًا للقاء وسماع خطيبهم!

وشاهد ذلكودليله هو تمايزُ الحاضرين في المساجد وغيرها من المجامع، فها نحن نرى بعض المساجد ما إن يصعد الخطيب على منبره، إلا ويرى الجموع الكبيرة بين يديه، وقد يتزاحمون على الصف الأول أو المكان الذي يقربهم منه ليسمعوا حديثه وينظروا إليه.

وربما كثيرٌ منهم متوجس قبل صعود الخطيب على منبره؛ خشية أن يصعد غيره أو يقوم أحد في مقامه.

ومن الخطباء من يصعد على منبره، ويرى بين يديه أشخاصًا ربما يعدون بأصابعه، وهم مفرقون في يمين المسجد وشماله، وبعضهم ربما ممتدٌّ بين أعمدته، وقد يكونون على صرحه أو في خارجه، ولعلهم لا يدخلون إلا بعد أن ينتهي الخطيب من خطبته، أوحين يشرع في دعائه.

وإذا رأيت وتأملت في وجوه الحاضرين اللذين بين يديه، رأيت كل واحد منهم على حال: منهم من ينظر إلى جواله، ومنهم من يكثر من حركته وقلب ساعته ليعبر عن شعوره بعدم قبوله، وارتياحه لخطيبه، ومنهم من هو مشغول بالنظر إلى وجوه الداخلين والحاضرين، أو إلى زخارف المسجد وفراشه؛ بل بعضهم يغط في نومه ولا يستيقظ إلا عند قول الخطيب: (وقوموا إلى الصلاة يرحمكم الله، والله المستعان)!

ما أحرانا أيها الإخوة الكرام أن نعيد النظر في خطابنا، وطريقة أسلوبنا وإلقائنا، ما أحرانا أن نعرف قدر الدعوة إلى الله، وقدر هذا المكان الذي منحنا الله إياه!
_________________________________________________
الكاتب: يحيى بن حسن حترش









ابوالوليد المسلم 24-02-2024 11:53 AM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 




أهمية إعداد الخطبة


أهمية خطبة الجمعة، وعظيم شرفها، وجلالة قدرها ومكانتها في ميزان الإسلام.

وإذا كانت خطبة الجمعة بهذه المنزلة في ديننا، فينبغي لنا أن نوليها بالغ اهتمامنا، وغاية عنايتنا ورعايتنا؛ لكي نؤدي حق هذه الأمانة التي على عاتقنا، وشكر هذه المكرمة التي فُضلنا بها على غيرنا؛ لنعتذر به أمام ربنا سبحانه وتعالى.

ومن أوائل هذه المهمات، وأحق ما تُصرف له الأوقات، وتُبذل من أجله الطاقات، العناية بإعداد الخطبة التي جعل لها الإسلام ما جعل من الأحكام التي تقدم ذكرها وتعدادها، والتي من أجلها استعد الناس لها، وتركوا أعمالهم على اختلاف مراتبهم ورُتَبهم لسببها.

فينبغي لمن صعد المنبر، وارتفع على رقاب الناس وأكتافهم، أن يستعدَّ لهم كما استعدُّوا له، وأن يحترم عقولهم، ويعظم أوقاتهم التي سيقضيها معهم.

كذلك ينبغي له أن يستشعر قدرهم وقدراتهم؛ فقد يكون منهم من هو أسن وأعلم منه، وأتقى لله منه، لكنهم بين يديه، وملزمون بالسكوت والاستماع إليه.

وقد يخرجون من عنده وألسنتهم تلهج بذمِّه، أو بالثناء عليه ومدحه، على حسب ما قدمه لهم، وبما يتناسب مع عقولهم ويتفق مع زمانهم ومكانهم.

فحريٌّ بك أيها الخطيب أن تعطي المنبر حقَّه وقدره، وأن تستعد للصعود عليه بإعداد وإتقان ما تقوله وتقدمه، وأن تستشعر قدر هذه الفرصة، ومقدار هذه الغنيمة التي جمع الله لك بها هذه الجموع، وبهذه الطريقة التي لا يستطيع أحدٌ أن يحصل له ما يحصل لك أيها الخطيب، حتى قال أحد أعداء الإسلام: «لو كان لي خطبة الجمعة التي للمسلمين لقُدتُ بها العالم!».

وجديرٌ بك - أيها الخطيب - أن تستشعر أن كثيرًا من هذه الجموع، وهذه المئات لعلهم لم يسمعوا كلمةً وعظية، أو نصيحةً إرشادية، إلا منك في هذه اللحظات.

وقد يكونون في غفلةٍ عن دينهم، وفي بعدٍ عن ربهم طول أيام أسبوعهم، وليس معهم من يذكرهم إلا أنت في هذا اليوم العظيم.

فإياك إياك أن تشغلهم بما لا ينفعهم، فيخرجوا من عندك بدون فائدة في دينهم أو دنياهم!
__________________________________________________ _________
الكاتب: يحيى بن حسن حترش









ابوالوليد المسلم 01-03-2024 02:44 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
استعد أيها الخطيب لجمهورك كما استعدوا لك

يحيى بن حسن حترش

ومن هنا نوجه رسالةً ونصيحة لأولئك الذين لا يستعدون لخطبهم، ولا يبذلون لها جزءًا من أوقاتهم؛ معتمدين على ثقافتهم، وبعض معلوماتهم، فلا يلتفتون إلى تحضير خُطَبهم إلا قبل ساعات من صعودهم على منابرهم، ولعل بعضهم قد أصبحت هذه عادته، وتأخير إعداد خطبته دأبه وطريقته، ولعله يفخر بذلك، ويظن أنه من الذكاء وسرعة النباهة والبداهة، وهي في الحقيقة استخفافٌ بالناس، وجهلٌ وحماقة.

فهل من الأدب والحكمة أن يستعد الناس لك، ويحضرون بين يديك، وقد تركوا أشغالهم وأعمالهم المتعلقة بدينهم أو دنياهم، ثم تأتي قبل لحظات، أو حتى ساعات لتقلِّب ناظريك في بعض الورقات أو المجلات؛ لتملأ أسماعهم كلامًا فارغًا، أو تتنقل بهم شرقًا وغربًا، فيخرجوا من عندك وهم في غاية السخط والاستياء! ولعلهم بسبب هذا الإهمال والتقصير قد يتركون التبكير أو سماع الخطبة والتذكير، وكل ذلك باستخفافك بهم، وعدم إعداد الغذاء الذي يناسبهم، ويقضي نهمتهم ورغبتهم.

وليت هؤلاء وأشباههم قد قصروا بواجبهم، وإعداد خطبهم، بسبب أعمالٍ فاجأتهم، أو مصالح اضطرتهم وألجأتهم، وإنما قد يظل أحدهم فارغًا وعاطلًا طوال أيام أسبوعه، فإذا اقترب وقت صعوده، وطلوعه على أعواد منبره، بدأ ينظر له عنوانًا يناسب وقته، ويقلِّب أوراقه لينظر له كلامًا مفرقًا يملأ به فراغه.

فبالله عليك ما عساك ستقوله، وتقدمه في هذا الوقت اليسير، لهؤلاء الجمع الغفير، التي جاء يلتمس الوعظ والتذكير؟! هل هذه هي الأمانة التي وكلت بها، وهل هذه هي المسؤولية التي جعلت عليها، أم أنك قد جعلتها مهنة، وعادة، وفراغًا تملؤه، لا تقصد به قربة أو عبادة؟

ومن هنا نوجه رسالة لمن لا يعرف للمنابر شرفها وقدرها، فنقول: إنها أمانة، ولعلها يوم القيامة خزي وندامة، فإن رأيت أيها الخطيب كفاءة من نفسك، وأداءً للأمانة التي على عاتقك، وإلا كما قيل[1]:
يا باري القوس بريًا ليس يُحسنه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لا تظلم القوسَ وأعطِ القوس باريها[2] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


[1] الفصيح، أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار المعروف بثعلب ص (264).

[2] انظر لموضوع هذا الفن بتوسع: كتاب (فن الإلقاء والخطابة) للمؤلف.






ابوالوليد المسلم 15-04-2024 07:46 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
علم الأداء - فن النطق


ـ علم الأداء ـ
د.عبد البديع النيرباني

ـ الأداء: فنّ النطق.
ـ فطبيعة الأداء: أنه فنّ، أي مهارة تكتسب بالدربة والمران، لكنه كغيره من الفنون يستند إلى أساس معرفي، هو علم الأداء.
فالجراحة مثلاً فن، لكنها تستند إلى علمي التشريح ووظائف الأعضاء.
وقيادة السيارة أيضاً فن، لكنها تستند إلى علمي الميكانيك والكهرباء وقانون السير.
ـ لكن قبل الشروع في هذا العلم، لا بدّ أن نقف ملياً عند معنى (النطق)، لنشقّق منه مباحثه.
ـ نَطَقَ يَنْطِقُ نُطْقاً ومَنْطِقاً ونُطُوقاً: تكّلم.
والمنطق: علم يَعْصِم الذِّهن من الخطأ في الفكر.
والنِّطاق: ما يُشدّ به الوَسَط.
ولم أجد خيراً من كلام الراغب الأصفهاني (ت 425هـ) في تلُّمس المعنى الأصلي لمادة (ن ط ق)، إذ يقول في (المفردات):
" النطق في التعارف: الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان، ولا يكاد يقال إلا للإنسان، ولا يقال لغيره إلا على سبيل التبع، ولا يقال للحيوانات (ناطق) إلا مقيداً وعلى طريق التشبيه.
والمنطقيون يُسمُّون القوة التي منها النطق نطقاً، وإياها عنَوا حيث حدّوا الإنسان فقالوا: هو الحيّ الناطق المائت. فالنطق لفظ مشترك عندهم بين القوة الإنسانية التي يكون بها الكلام، وبين الكلام المبرز بالصوت.
وقد يقال (الناطق) لما يدلّ على شيء. وقوله:(عُلِّمنا منطق الطير) فإنه سمّى أصوات الطير نطقاً اعتباراً بسليمان الذي كان يفهمه، فمن فهم من شيء معنى فذلك الشيء بالإضافة إليه ناطق وإن كان صامتاً، وبالإضافة إلى من لا يفهم عنه صامت وإن كان ناطقاً.
وقيل: حقيقة النطق اللفظ الذي هو كالنطاق للمعنى في ضمه وحصره. والمِنْطَق والمِنْطَقة: ما يُشدّ به الوَسَط." ] 811ـ812 باختصار[

ـ وعلى هذا، فالنطق: إنتاج صوت يدلّ على معنى.
فيمكننا إذاً أن نميّز في (النطق) ثلاثة معانٍ: معنى الحدث المأخوذ من المصدرية، ومعنى الصوت، ومعنى دلالة الصوت على المعنى.
أما المعنى الأول ـ وهو الحدث، ونطلق عليه (النطق) تغليباً ـ فندرس فيه: أعضاء النطق، وآلية النطق، وعيوب النطق كالثأثأة والفأفأة واللثغة، وتعديل النطق بما يصطنعه مهندسو الاتصال من أجهزة لتغيير صفات الصوت، وسيرورة النطق مما يعرف بالوقف والابتداء، وأطراف النطق وهي ثلاثة: فعل النطق، وفاعله، والمنفعل به، وفي كلٍّ مقال: (فأما الطرف الأول ـ وهو فعل النطق ـ فينقسم ثلاثة أقسام: فهو إما أن يكون كلاماً ينشئه الناطق ابتداء، وإما أن يكون كلاماً يستظهره، وإما أن يكون كلاماً يقرؤه.
وأما الطرفان الثاني والثالث ـ وهما فاعل النطق والمنفعل به ـ فينبغي أن تتوافر فيهما أمور تعين كلاً على كل.)
وأغراض النطق مما يعرف بوظائف الاتصال، ومرافقات النطق وهي ما يلحق به مما يعين على تمام الإبلاغ كالإشارات ونحوها.
وأما المعنى الثاني ـ وهو الصوت ـ فندرس فيه الصوت مفرداً ببيان المخارج والصفات، ومركباً ببيان أشكال التغيرات الصوتية.
وأما المعنى الثالث ـ وهو دلالة الصوت على المعنى ـ فندرس فيه شكلي الدلالة: دلالة الصوت على المعنى بحضوره مما يعرف بالمحاكاة الصوتية، ودلالة الصوت على المعنى بشكل حضوره مما يعرف بالتنغيم.
ـ وفي علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى، نجد أنه ذو صلة وثيقة بعلم الأصوات، وقرابته من علم التجويد لا تخفى فهو جزء من علم الأداء، ولو أن علم التجويد تطور على أيدي اللاحقين لصار إياه.
ـ ومن أعظم مصادر هذا العلم في تراثنا العربي شيئان: الأول نظري وهو كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ (ت255هـ)، والآخر تطبيقي وهو ما تناقلته كتب السنة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فضلاً عن أشياء أخرى لا تخفى على الباحث.
ـ وتأتي أهمية هذا العلم من حاجة كل من ينطق بالعربية إليه، ولا سيما من يتخذ الكلام صنعة له، كالقراء والخطباء والمحاضرين وغيرهم من الملقين.
والناس في تمكنهم من الأداء صنفان:
فصنف حباهم الله استعداداً فطرياً، فحاجة أولئك إلى علم الأداء لصقل أدائهم وبلوغهم الغاية فيه.
وصنف قصّر بهم استعدادهم الفطري، فحاجة أولئك إلى علم الأداء لتلافي تقصيرهم وبلوغهم الكفاف فيه.
ـ وثمرة هذا العلم أنه سبيل إلى حسن الأداء، وحسن الأداء سبيل إلى حسن الاستماع، وحسن الاستماع سبيل إلى حسن التدبّر، وحسن التدبر سبيل إلى حسن الانتفاع.
ـ ويرد هذا العلم في كتابات الدارسين باسم (علم الأداء) تارة، وباسم (فنّ الإلقاء) تارة أخرى. غير أن في تسمية هذه المعارف بالفن تسامحاً.
ألقيت في الدورة التأهيلية لخطباء مساجد حلب التي أقامتها مديرية أوقاف حلب بين: 10/5و4/6/2009 في مكتبة الثانوية الشرعية في حلب>


ابوالوليد المسلم 18-04-2024 04:08 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
منبر الجمعة في حياة المسلمين
تهتم الدول في العصر الحديث بوسائل الثقافة والإرشاد، فتقيم النوادي والقاعات الكبيرة، وتنظم الندوات الفكريَّة، وتدعو إلى سماع المحاضرات في شتى الموضوعات، بغية توعية الناس، وتوجيههم.
ومع ما تبذله الحكومات من جهود في دعوة الناس إلى سماع تلك المحاضرات وفي تهيئة الجو الهادئ الأنيق المريح الجذَّاب الذي تُلْقى فيه المحاضرة، فإنَّ عدد الملبيّن تلك المحاضراتِ قليلٌ، إذا قيس بالجهود المبذولة لجمعهم وترغيبهم بالحضور.
وخُطبة الجمعة في الإسلام محاضرة أسبوعية، يحضرها الآلاف من المسلمين، بل الملايين، بملء إرادتهم طائعين راغبين، فيجلسون على الأرض منصتين بآذانهم وقلوبهم إلى كل كلمة يقولها الخطيب.
ذلك أن خطبة الجمعة شَعيرة دينية، شُرِعت لبحث قضايا الساعة في حياة المسلمين، ولتفقيههم بدينهم الذي جاء مُنظِّماً شؤون الدنيا والآخرة.
وكان حريّاً بهذه الخطبة الأسبوعية الراتبة المقدّسة أن تفعل الأعاجيب في حياة المسلمين، فتفتّحَ أذهانهم على الحق، وتحرّرَ نفوسهم من الذل، وتسمو بأرواحهم إلى الآفاق العليا التي دعا إليها الدين الحنيف.
ولكن المتأمل أوضاع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ليقطع بأن منبر الجمعة لا يؤدي رسالته، وأن خطبة الجمعة لا تحقق غايتها.
ولو أدّى منبر الجمعة رسالته، وحققت خطبته الغاية منها، لكان شأن المسلمين غير شأنهم اليوم.
ولقد سبق أن أدى هذا المنبر رسالته ذات يوم، فصنع من المسلمين خير أمة أُخرجت للناس، تأمرُ بالمعروف وتنْهَى عن المنكر، وتؤمنُ بالله. وقد فعلت هذا كله في واقع الحياة والناس، لا في بطون الكتب والأسفار والنظريات.
فكيف يستطيع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن يعيدوا لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبةِ الجمعة الحيوية والقوةَ والتأثيرَ في عصر قائم على العلم والتخطيط والاختصاص؟
إن منبر الجمعة مرتبط بروح خطيب الجمعة وموهبته وعلمه وتقواه، يَقْوى بقوته، ويضعف بضعفه، ومن ثمّ لا يصحّ أن يعتلي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلٌ توافرت فيه شروط ثلاثة: العلم، والتقوى، والموهبة الخطابية.
وإن إنشاء خطيب الجمعة، القويِّ في علمه، الموهوبِ في خطابته، التقيِّ في دينه وخُلقه، ضرورةٌ كبرى مصيريَّة في حياة المسلمين، وشرطٌ أساسيّ من شروط نهضتهم، واستعادةِ عزَّتهم، واسترداد شخصيتهم.
فالعلم: لابدَّ منه لخطيب الجمعة، ليكون قادراً على العطاء، وتفقيه الناس بدينهم في شتى أحكام الشريعة ومسائلها. ومن ثمَّ وَجَب أن يكون خطيب الجمعة عالما كبيراً.
والتقوى: شرط أساسيٌّ لابدَّ منه أيضاً لخطيب الجمعة، ليكون أميناً على رسالة الإسلام وقيمه، يعرضها على الأسماع من غير مُجَاملة ولا تزييف، فيصدع دوماً بكلمة الحق، مبتغياً بها وَجْهَ الله، لا يحول دون جهره حائل مهما كان.
والموهبة الخطابية: شرط هام جداً من شروط الخطيب الناجح المؤثر، الذي يعرف كيف يستميل القلوب بحُسن حديثه، ويستولي على النفوس بأسلوبه الحار المتدفّق الأخّاذ، فَيُحدث فيها التأثير المرجو، ويسمو بها إلى آفاق الحق والهداية والاستقامة.
ومثلُ هذا الخطيب حريُّ بأن يُعطي الحرية كاملةً فيما يقول للناس ولا ضير من إعطائه الحرية، لأنه أوتيَ من رجاحة العقل، ورشاد المنطق، وسداد التفكير، ما يجعله في عصمة من الانزلاق والتهوّر، وإساءة استعمال حق الحرية الممنوح له. فهو يدعو دوماً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وينصح للمسلمين في كل ما يقول، إذ الدين النصيحة. ومن كان من أُولي الأحلام والنُّهى لا يُعجزه أن يجهر بالحق والنصيحة في آن.
ومثلُ هذا الخطيب ينبغي أن يكون متفرِّغاً لمهمته العلمية التوجيهية الجليلة، لا يشغله عنها شاغل من شواغل العيش، مستقلاً، بعيداً عن المؤثرات والتيارات السياسية التي تستغل المنابر في كثير من البلاد الإسلامية. فمنبر الإسلام ينبغي ألا يسخَّر إلا لدعوة الله : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}[الجن:18].
إن مثل هذا الخطيب لا يمكن أن ينشأ اعتباطاً وبمحض المصادفات، ولكن لابدَّ لإيجاده من إنشاء المعاهد العالية الراقية، التي تنتقي أصحاب المواهب الأتقياء، لتصنع منهم خطباء جمعة، فَتُخْضِعَهم لشروط علمية وتربوية صارمة، بحيث لا يُؤهَّلُ لهذا المنصب الخطير إلا العلماء العقلاء الموهوبون الأتقياء، ويُمنحون بعد التخرج المرتبة المعاشية اللائقة بجلال العلم، وكرامة التوجيه، وعزّةِ الموهبة.
ويوم يتنبه المسلمون في شتى أصقاعهم إلى خطورة منبر الجمعة في حياتهم، ويعملون مخلصين على إيجاد هذا الخطيب الصالح التقي الحرّ الموهوب، يكونون قد بدأوا منعطفاً جديداً في حياتهم نحو الوعي والعزة والسؤدّد، وساروا في الطريق التي جعلت منهم ذات يوم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس.
"ومضات الخاطر"
منقول


ابوالوليد المسلم 20-04-2024 09:57 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
محاضرة بلا ملل

عمار يحيى الضايع


لا شَكَّ في أنَّ الأسلوبَ هو راحلةُ الفكرةِ إلى القلوب، فكمْ من أسلوبٍ عَجَزَ عن بلوغِ غاية فكرتِه، فنزلتْ في القلوب دون منزلِها، واستقرتْ في غير محلِّها، فلا أزهرت ولا أثمرت.
والأسلوب معيار مُهمٌّ يتمايز به الأدباءُ والخطباءُ والدعاةُ، فضلاً عن الأساتذة والمحاضرين؛ ولا يشفع لهؤلاءِ علمُهم أو حكمتُهم أو إخلاصُهم أو غَيرَتُهم على الدين إذا عجَز أسلوبهم عن بلوغِ قلوب المتلقِّين.
وهذا في المعلمين ظاهرٌ بَيِّن، ألا ترى الطلابَ –على صغرهم- يقارنون بين مُعلِّمَينِ، فيقولون: أحدهما عنده علمٌ لكنّه لا يستطيع إيصاله للطلاب، والآخر أسلوبُه يَسيرٌ سَهل، يُبسط لك المعلومة حتى تفهمها بسهولة دون تعقيد.
وقد أرشَدَنا الله تعالى إلى ضرورة أن يتحلى المسلم الداعية بالأسلوب المناسب، الذي ييسر وصول دعوته إلى الناس، ويُرغِّبهم فيها؛ ولخَّص السياق القرآني الكريم ذلك بسِمَتَينِ اثنتين: الحكمة، وحُسْن الموعظة، قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] .
ولهذا كان على الداعية والمحاضر -وغيرهما ممن يتصدرون لخطاب الناس- أن يعتنوا بأساليب الدَّرسِ والمحاضرة، وأن يرسلوا فوائدهم على بُسُطٍ من الحكمة والمتعة واللطف، غيرِ مثقلةٍ بالضَّجَرِ والمَلالَة والصَّخَب، علَّها تنزل من القلوب منازل القبول.
وجدير بالذكر أنه لا توجد وصفة سرية محتَكَرة لجعل الدرسِ ممتعًا، بل إنَّ لكل إنسان أن يضيف من "خلطاته الخاصةِ" ما يراهُ أكثر مناسبةً لشخصيته وقدراته، وملاءَمةً لجمهوره ونوعيته؛ غير أن هناك بعضًا من المواصفات والمُحَسِّنات، يمكن –إن وُظِّفت بحكمة- أن تُضفي مزيدًا من المتعةِ على الدَّرس، فتحمل المعلومةَ والفائدةَ على بساطٍ مخملي لطيف يبلغ غايته في القلوب.
وفيما يأتي مرور سريع على بعض المزايا المهمة التي يجدر بالمحاضر أن يُلاحظها في محاضرته:


• تنويع الأسلوب:
إنّ من جَمَال اللغة أنها تمكّنكَ من أداء المعنى بأساليب متعددة، لكلٍّ منها مزية وفائدة خاصة، والمحاضر الفَطِن ينوِّع في استخدام الأساليب اللغوية، فيتنقل بين الخبر والإنشاء، والتأكيد والتضعيف، والأمر والنهي، والاستفهام، والحوار، والشرط، والتعجّب، والتحضيض، والإنكار... وغير ذلك، فإنَّ هذا ينفي الملل ويوقظ الذهن.
وهذا التنوّع الأسلوبي جليٌّ في القرآن الكريم، ألا ترى أنّ القرآن جاء بمطالب عديدة، لكنَّ أساليب الطلب اختلفت بين آية وأخرى، فنراه –مثلاً- طلب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فاستخدمَ لذلك أسلوب الأمر المباشر، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [البقرة: 43]؛ وطلب البِرَّ بالوالدين، فاستخدمَ لذلك أسلوب النهي عن أقلِّ الأذى، فقال تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: 23]؛ وطلبَ إرضاعَ الأمِّ وليدَها، ورزقَ الأبِ وكسوتَه أولادَه، فاستخدم لذلك أسلوب الإخبار، فقال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 233]؛ وطلب التصدّق، فاستخدم لذلك أسلوب الاستفهام، قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد: 11]. والأمثلة على هذا كثيرة جداً، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شواهد مثلها أيضًا.

• حُسن السَّرد:
ويتمم تنويع الأسلوب اللغوي تنويعُ الأداء الصوتي بما يتناسب مع الأسلوب، من حيث العلوّ والانخفاض، والشدة والرخاوة، ومناسبته لموضوعه من فرحٍ أو حزنٍ أو مفاجأة أو مَكرٍّ أو حُبٍّ أو بُغضٍ...؛ ألا ترى أن الطرفَةَ الواحدة يرويها اثنان، فتستظرفها من أحدهما وتستقبحها من الآخر! وهكذا المحاضر الجيّد يُحسنُ السرد والرواية، فيؤدي بنبرة صوته ما لا يُفصِحُ عنه كلامه من المعاني.
ويدخل في هذا حُسن سردِ القصة، كأن يُحسنَ ترتيب أحداثها، ويركّزَ على المُهمِّ منها، ويتدرجَ بالمستمع، فلا ينتقل به من حدثٍ حتى يشوقه للذي يليه؛ ويؤخر حلَّ الحبكة حتى النهاية، دون أن يُلمِحَ إليها.

• ليكنْ درسُـك حيّـًا:
إنَّ المحاضر الناجح يضفي على درسه الحيوية ويجنِّبُه رتابة الآلة، ويربأ بنفسه عن أن يكون جهازًا لإلقاءِ الكلام، إنما هو مخاطِبٌ لأحياء عقلاء، يتفاعلون معه بصمتهم كما يتفاعلون معه بكلامهم، يقبَلون وينكرون، ويتساءلون ويفسِّرون؛ فليتعامل معهم وهذا الأمرُ بارزٌ نُصبَ عينيه، وليأخذ منهم كما يعطيهم، فيُسهب حيثما استوقفته نظراتهم، ويلبي استغاثاتهم إذا ضجرتْ وجوههم؛ وليسمعْ منهم كما يُسمعهم، فإن تعذر عليه ذلك فليُثِر أسئلتَهم بلسانه، وليَتْلُ إجاباتِهم بلسانه أيضًا؛ ويرحم الله الشيخ الشعراوي، إذ كان يحمل العلم على أجنحة السؤال، فترى الناسَ مأسورين له، يطوف بهم في كل رَوضٍ بهيج.

• القـصـة والمَثَـل:
ومما يضفي على الدرس الحيوية أيضًا، أن تأتيَ الأفكار في ثَوبِ القصة، فيرى المتلقون القِيمَ والأفكارَ شُخوصًا، تتحدث بلسانِهم، وتثورُ فيها عواطِفُهم، وتجولُ في أمكنة وأزمنة، فترتبط ثمرة الدرس بواقعهم، وتنزل من النفوس منزل المشاهد المحسوس.
ويُفضَّل في المحاضرة أن تكونَ القصةُ قصيرةً، أو قصيرةً جدًا، رمزيةً، وقد يكتفي المحاضر بالإلماحِ إليها دون سردها، وهذا مما يجري مجرى الأمثال.
وعلى المحاضر أن يتفطّن إلى أنْ يتجه بالقصة اتجاهًا يخدم فكرته، فيركز على الأحداثِ والشخصيات المؤثرة في الفكرة، لا أن يجعل الفكرة تبعًا للقصة، فيستنبط قيمًا وأفكارًا عشوائية ليس يربطها رباط، فيبدو كالضالِّ طريقه، يميل مع الريح حيث مالت به.

• خير الكلام ما قلَّ ودلّ:
ولا يَحسَبَنَّ امرُؤٌ أنَّ طويلَ الكلام أدعى للإقناع والقَبول من قصيره، بل إنَّ طويل الكلام يُنسي آخرُه أولًه، كما قيل، ولهذا ابتدعت العرب المَثَل، يختصرون به الحكاية الطويلة.
ومن الإطالة المكروهة أن يطيلَ المحاضر في شرح الفكرة الواحدة، فيقول ويعيد، و"يلتُّ ويعجن"، وما هو إلا يحوم حول فكرة واحدة! يعرضها بأسلوب ثم يعود إليها بآخر، بل قد لا يغيِّر أسلوبه!! ونحن المستمعين رازحون تحت وطأة محاضرته، نُقسِم -في نفوسنا- الأيمان المغلظة أنْ قد فهمنا، ولكن لا مجيب!
وليس هذا دعوة للاختصار المُخِلِّ، بل هو دعوة إلى تنويع الأفكار واختيارها بدقة، بحيث يعرض المحاضر عددًا من الأفكار تفي بوقتِ المحاضرة، وتخدم موضوعها دون تكرار أو إطالة؛ فهذا دليل حُسن التحضير، واحترام عقول الحضور، وأمانة المحاضر.




• بساطة العبارة، وحسن الاستشهاد:
والمحاضر المُجيد فصيحٌ لسانه، بليغة كلمته، سهلة عبارته، بسيطة مفرداته، قصيرة جُمله، فالجمل الطويلة عسيرة الهضم، يأخذ نَفَسًا بين الفكرة وأختها، حتى تستقر في العقول، ويتروى ولا يتعجل، ولا يطلق فوائده كالمدفع الرشاش، تصيب ما تصيب ويخيب أكثرها!
ويوضح أقواله بالأمثلة، ويفسِّر عبارته بالتشبيه، ويستخدم الرمز البسيط لحلِّ الأفكار المعقّدة، ويُسقط نظرياته على الواقع، فيلامس حياة الناس ومشكلاتهم، ويستشهد على كلامه بكلام غيره، من قرآن كريم، وسنة مطهرة، وأقوال العلماء والحكماء، والشعر، والمثل... وغير ذلك.
ولا بُدَّ في الختام من تحذير مهم:
الأسلوب بهارات المحاضرة، لا تكون مستساغة دونه، لكنك تنتفع بالطعام ولو لم يكن مستساغًا، أمّا الإكثار من البهار فإنه يُفسد الطعام.
ومن ينشغل بالأسلوب عن المضمون، فيلوّن محاضرته ويبهرجها دون إعداد جيد لمضمونها العلمي، من حيث انتقاء الأفكار وتحضيرها وتحقيقها، فكأنما يغري مستمعيه ببضاعة فاسدة، وهذا عينُ الغِش.
ومعلوم أنه:
لا أمتع من معلومة نافعة!


ابوالوليد المسلم 27-08-2024 10:33 AM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
فوائد تهم خطيب الجمعة منتقاة من مؤلفات العلامة العثيمين

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فهذه مجموعة من الفوائد التي تهم خطيب الجمعة, منتقاة من مؤلفات العلامة العثيمين, رحمه الله, أسأل الله أن ينفع بها الجميع.
الخطبة تعليم للعلم, وتعلّم له:
& قوله تعالى: {﴿ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾} [الجمعة:9] يفيد أن الخطبة من ذكر الله تعالى, ونستفيد من هذا فائدة مهمة, وهي أن العلم تعليمه وتعلّمه من ذكر الله تعالى, لأن الخطبة ما هي إلا تعليم للعلم, وتعلّم له.
بَدء الخطبة بالحمد والثناء على الله عز وجل:
& ينبغي البداءة في الخطبة _ ولو كانت عارضة _ بالحمد والثناء وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
المقصود من الخطبة:
& المقصود من الخطبة هو أن يُؤثّر الإنسانُ على من يخطب فيهم, حتى يلينوا للحق قال الله تعالى: {﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ ﴾} [الرعد:28] فإذا لانت القلوب وذرفت العيون فقد حصل المقصود.
& لا بد من خطبة تتحرك بها القلوب, وتحصل بها الفائدة...ينبغي للإنسان أن يخطب خطبة بحيث يقول الناس: ليته استمر, ولا يقولوا: هذا أطال ومللنا, والإنسان يعرف من نفسه قبول الناس لخطبته وكلامه وعدم قبول ذلك.
&الخطبة ينبغي أن تحرك القلوب, وتؤثر في النفوس, وذلك في موضوعها, وفي كيفية أدائها,....لا بد من خطبة تثير المشاعر, ويحصل بها الموعظة, والانتفاع.
الإيجاز في الخطبة:
& خطبة الجمعة...لا ينبغي للإنسان أن يطيل على الناس, كلما قصر كان أحسن لوجهين: الوجه الأول: ألا يمل الناس. الوجه الثاني: أن يستوعبوا ما قال. لأن الكلام إذا طال ضيع بعضه بعضًا فإذا كان قصيرًا مهضومًا مستوعبًا انتفع به الناس.
& الإنسان...في الخطبة...يعظ الناس ويوجههم وكلما قصر كان أكمل وأنفع...حتى ولو كان من أشد الناس تأثيرًا إذا أطال الكلام ملّ الناس وسئموا.
& ينبغي أن تكون الخطبة كلماتٍ, والمعنى أنها تكون كلمات يمكن أن تُعدّ بحيث تكون واضحة مُركزة.... إذا كانت الخطبة قصيرة تمكنوا من استيعاب المعنى وحفظه, وإذا كثر ضاع عليهم...وينبغي في الخُطبة اجتناب الحشو واللغو.
& في تقصير الخطبة فائدتين 1- ألا يحصل الملل للمستمعين, لأن الخطبة إذا طالت لاسيما إذا كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابرًا لا يحرك القلوب...فإن الناس يملون ويتعبون 2- أن ذلك أوعى للسامع, أي: أحفظ للسامع لأنها إذا طالت أضاع آخرها أولها
& من الفقه أن يقصر الإنسان الخطبة حتى تكون وجيزة بليغة.
& أحيانًا تستدعى الحال التطويل, فإذا أطال الإنسان أحيانًا لاقتضاء الحال ذلك, فإن هذا لا يخرجه عن كونه فقهيًا, وذلك لأن الطول والقصر أمر نسبي.
البيان والفصاحة في الخطبة:
& الأفضل للخطيب أن يأتي بالكلام الموجز البليغ المؤثر, والتطويل المكرر لا فائدة منه, وإنما يحدث الملل والضجر حتى يقوم الناس إلى الصلاة وهم في ملل وكسل.
& ينبغي أن يكون الخطيب ذا بيان وفصاحة حتى يجذب الناس, والبيان قد يكون بتركيب الجمل بعضها إلى بعض وقد يكون في صفة الأداء وانفعال النفس عند الخطبة
الانفعال مع الخطبة:
& كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب, يعني يوم الجمعة, (( «احمرت عيناه, وعلا صوته, واشتد غضبه » )) وإنما كان يفعل هذا لأنه أقوى في التأثير على السامع.
& تجد فرقًا بين خطيب يُحيى الناس ويوقظهم ويجعلهم يُتابعون ما يقول, وبين خطيب يأخذ صحيفة ويسردها سردًا, تجد فرقًا عظيمًا في التأثير, فكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه من شدة انفعاله.
& الناس إذا رأوا الخطيب منفعلًا انفعلوا معه, وصاروا يمشون وراءه, ولكن إذا كان الخطاب يُقرأ باطمئنان وهدوء فإن الناس ينامون.
& ينبغي للخطيب أن يكون كمنذر الجيش الذي يقول: صبحكم ومساكم, لأن الخطيب مُنذر بغضب الله على من خالفه, مُبشر بطاعة الله لمن أطاعه.
المسائل الفقهية في الخطبة:
& لا مانع من أن تتضمن خطبة الجمعة المسائل الفقهية, ولا سيما المسائل الكبيرة العظيمة التي يحتاج إليها الناس, وأنه لا يشترط أن تكون الحطبة خطبة وعظ فقط, بل حسب ما تقتضيه الحال.
الخطبة بلغة القوم الذين يخطب فيهم:
& إذا كان يخطب قي عرب, فلا بد أن تكون بالعربية.
& إذا يخطب في غير عرب, فقال بعض العلماء: لا بد أن يخطب أولًا بالعربية, ثم يخطب بلغة القوم الذي عنده. وقال آخرون: لا يشترط أن يخطب بالعربية, بل يجب أن يخطب بلغة القوم الذي يخطب فيهم, وهذا هو الصحيح.
&إذا مرَّ بالآية فلا بد أن تكون بالعربية لأن القرآن لا يجوز أن يغير عن اللغة العربية
فتح باب الأمل للناس في الخطبة:
& ينبغي للخطيب أن يفتح للناس باب الأمل والرجاء...هذا هو الأصل في الخطبة, لكن إذا دعت الحاجة إلى قوة الزجر والتهديد والتخويف فلا حرج أن يُخوِّف الإنسان, مثل ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل أحيانًا في خُطبه.
الخطبة بقراءة سورة (ق):
& ينبغي للإنسان أن يقرأ هذه السورة سورة (ق) بتأمل ونظر, ويراجع كلام أهل العلم عليها, حتى يستفيد منها, لأنها كفى بها واعظًا, ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بها يوم الجمعة يخطب الناس بها لما فيها من المواعظ العظيمة.
عدم رفع اليدين في الدعاء لغير الاستسقاء:
& لو رفع الخطيب يديه في الدعاء لغير الاستسقاء فإن هذا ينكر عليه لأن الصحابة أنكروا على بشر بن مروان حين خطب يوم الجمعة فدعا فرفع يديه فقالوا: قبح الله هاتين اليدين...فلو دعا ولو بنصر الإسلام والمسلمين فإنه لا يرفع يديه لا هو ولا المأمومين
تلاوة الآيات مجودة أثناء الخطبة:
& كثُر السؤال عن استعمال بعض الخطباء عند تلاوة الآيات أن يتلوها على حسب التلاوة المجودة وهو في أثناء الخطبة... فالجواب أنه جائز, وأنه لا بأس تُحول النغمة أو الأداء من الأداء المعتاد في الخطبة إلى الأداء المعتاد في القراءة عند تلاوة الآيات.
قراءة الإمام في الصلاة بآيات تناسب موضوع الخطبة
& إذا خطب بعض الأئمة في موضوع يقرأ في الصلاة آيات تناسب الموضوع...ينكر عليه...أن هذا خلاف السنة لأن النبي كان يخطب ولا يبالي بموضوع الخطبة هل يناسب قراءة "سبح, والغاشية " أم لا
& إذا أراد أن يأتي بآيات تناسب الخطبة فليكن ذلك في نفس الخطبة.
& إذا قرأ في الصلاة آيات تناسب موضوع الخطبة فهذه سنة من عنده, وهو من الاجتهادات الخاطئة, ولهذا يكون أقل أحواله الكراهة.
& قول بعض المتأخرين: إنه ينبغي أن تكون الآيات التي تقرأ في الصلاة مناسبة لموضوع الخطبة فإن هذا لا أصل له, وذلك لأن القرآن في الصلاة معينة من قبل النبي عليه الصلاة والسلام فتارة يقرأ: الجمعة والمنافقين وتارة يقرأ سبح والغاشية.
القراءة في صلاة الجمعة:
& ﴿ سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾, ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ﴾ يسن قراءة هاتين السورتين في صلاة العيد وفي صلاة الجمعة.
& سورة الجمعة والمنافقين....استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة, واستحباب قراءتهما كاملتين, يعني لا ينصفهما فيقرأ واحدة ويجعلها نصفين في كل ركعة نصف, بل يكمل.
& أما سورة الجمعة فالمناسبة أظهر من الشمس لأن فيها ذكر الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة وأيضًا ذكر الله فيها الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بها أن مثلهم كمثل الحمار ففيه تحذير للمسلمين أن يتركوا العمل بالقرآن فيصيروا مثل اليهود أو أخبث
&أما المنافقون فالمناسبة ظاهرة أيضًا من أجل أن يصحح الناس قلوبهم ومسارهم إلى الله تعالى كل أسبوع, فينظر الإنسان في قلبه, هل هو من المنافقين أو من المؤمنين؟ فيحذر ويطهر قلبه من النفاق, وفيه أيضًا فائدة أخرى أن يقرع أسماع الناس التحذير من المنافقين كل جمعة


ابوالوليد المسلم 10-05-2025 12:14 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
حسـن اختيار الألفاظ


حسن اختيار الألفاظ، وفي هذا ينبغي للخطيب أن يراعي ما يلي:
1- أن تكون الألفاظ سهلة واضحة يمكن استيعابها وفهمها.
2- ألا تكون الألفاظ مبتذلة، تنفر منها الأسماع والأذواق، وليحذر من ألفاظ أبلاها الاستعمال أو ذكرها يؤدي إلى الابتذال.

3- ومما يعيب الخطبة ويجعل منها مجافية للفصاحة عدم مناسبة العبارات المستعملة لمقتضى الحال، فتجد بعض العبارات أشبه ما تكون بالعبارات الصحفية التي تمجها الأذان وتنبو عنها الأسماع وليس مقام الخطبة بما له من قدسية مقام ذكرها، كقول: " وعلى صعيد آخر "، " ينصهر في بوتقة واحدة "، ونحو ذلك من العبارات التي لا يناسب ذكرها مقام الخطبة.

4- التعبير الحسن يتطلب اختيار الألفاظ الجزلة في مقامها والرقيقة في مقامها، ففي مقام التهديد وإثارة الحمية والحماسة تستعمل الألفاظ الجزلة، وفي مقام إظهار الأسى والألم يستعمل الرقيق من الألفاظ، وتأمل قول الله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات من في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}.
{وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها} كيف استعملت الألفاظ الجزلة في مقام الترهيب.
أما في مقام التسلية فتأمل كيف استعملت ألفاظا رقيقة {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى}.

منقول









ابوالوليد المسلم 10-05-2025 12:20 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
كيفية إعداد الخطبة أو الدرس


قبل البَدْء بإعداد الخطبة لا بدَّ للداعية أن يدرك المسؤولية التي تقع على عاتقه في زمَنٍ كثُرَتْ فيه الفتنُ والمخالفاتُ الشرعية؛ فيختار مواضيعَ يحتاجها المجتمع، تمسُّهم وتُفيدهم، فمثلًا إذا كان يُوجِّه خطابه لمجموعة المعلمين، فليس من المناسب أن يخطب عن آداب وأحكام التجارة في الشرع.

فإذا تفشَّتْ معصيةٌ في مكان مُعيَّن، فلا بُدَّ من أن يحارب هذه المعصية أوَّلًا، بدلًا من التركيز على الحديث عن معصية أخرى غير منتشرة، وهكذا؛ إذًا لا بُدَّ من اختيار موضوع أو فكرة تمسُّ بالفعل مَنْ يُوجَّه إليهم الخطاب.

أيضًا لا بُدَّ من التأكُّد من صحَّة كل معلومة وحديث يقوله الداعية أو يكتبُه، خصوصًا لو كان الكلام موجَّهًا للعامَّة غير الدارسين للعُلُوم الشرعيَّة، ولا قدرة لديهم على التمييز بين الصواب والخطأ، وسيعتبرون ما يسمعونه كلامًا صحيحًا مُسلَّمًا به.

وقد تكون هناك معلومة مشهورة لكن مبنية على حديث ضعيف، وهكذا، فلا بُدَّ من التأكُّد من كل حرف يقوله أو يكتبه الداعية؛ حتى لا يحمل وِزْرَ كلِّ مَنْ يعمل بما يقوله، وهذا يكون باختيار مصادر موثوقة لجَمْع المادة العلمية، فلا يأتي بمعلومة من مصدر مجهول، أو من رسالة وصلته عن طريق وسائل التواصُل دون الوثوق بمصدر المعلومة أو التأكُّد من صحَّتِها.

ولا يعتمد الداعية على عقله فقط؛ ذكر ابن عبدالبر عن أحد السلف قوله: مَن أُعْجِب برأيه ضلَّ، ومَن استغنى بعقله زلَّ.

خطوات كتابة الخطبة:
- الاستعداد النفسي والبدني، وتفريغ الذهن، وتوحيد الهَمِّ، والتركيز فيما سيُلقيه على عباد الله المسلمين.
- اختيار الموضوع المناسب الذي يهمُّ المسلمين، ويحتاجون إليه بمشورة الإخوة والناصحين العالمين بواقع أُمَّتِهم.
- جَمْع الآيات في هذا الموضوع، ومراجعة تفسيرها من التفاسير المعتمَدة عند أهل السنة؛ كتفسير الطبري، وابن كثير -رحمهما الله تعالى- وغيرهما، والرجوع إلى ما يحتاجه من تفاسير الأحكام، والمعاني مع الاحتراز مما يخالف اعتقاد الصَّدْر الأوَّل، والقرون الثلاثة المفضَّلة؛ وهو أمرٌ لازم.

- جَمْع الأحاديث في الموضوع، وتخريجها تخريجًا مُخْتَصَرًا، ومعرفة الصحيح من الضعيف؛ المقبول منها والمردود، فلا يُلقي على المسلمين إلَّا الأحاديث المقبولة.
- جَمْع الآثار السلفيَّة، والعبارات الذهبية، والانتقاء من أطايب كلامهم، كما يُنتقى أطايبُ الثَّمَر.

- جَمْع الأمثلة والمواقف العملية والنماذج الحية التي تترجم الموضوع ترجمةً حيةً؛ ليرتبط العلم بالعمل؛ فَهُما -العلم والعمل- وجهان لعملة واحدة، ولا ينفصلان ألبتة.

- وعليه أن يحرص على الإفادة من مراكز المعلومات، والموسوعات العلمية؛ المطبوعة والإلكترونية، فهي توفِّر الجهد والوقت، وتساعد الخطيب على جَمْعِ مادة علميَّة متنوِّعة ومتميِّزة.

- القَصَص النافع الهادف الذي يزيد الموضوع وضوحًا وترجمةً، ويُسلي القوم مع الإفادة منه؛ ( {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} )[يوسف: 111].

- التعريف بالوسائل المعينة، والترغيب فيها، والحث عليها.

- التعريف بالمعوقات، والترهيب منها، والحث على اجتنابها.

- إن كان يتحدث عن مشكلة ما، فلا بد أن يُبَيِّنَ مظاهرها في الواقع، وأن يذكر أسبابها، وأن يعرضَ الحلَّ المناسب، ويُفَصِّل فيه بطريقة عملية مناسبة؛ فهو المقصود.

- مراجعة القواميس العربية؛ كـ"لسان العرب"، و"القاموس المحيط"، و"مختار الصحاح"، و"المعجم الوسيط".

- لا بدَّ من توثيق كل معلومة، ونسبة كل قول إلى قائله قَدْرَ المستطاع.

- إجمال الخطبة في كلمات معدودة، وتلخيص ما تحدَّث عنه؛ ليحفظه السامع ويتذكَّره؛ فمن البلاغة ردُّ العَجُزِ على الصَّدْر.

- وبالنسبة للدرس فقد يكون مسموعًا، وهنا فإن طريقة الإلقاء مهمة جدًّا في توصيل الكلام للسامع، وتتطلَّب تفاعُلًا صادِقًا لجسم المتحدِّث وعقله مع ما يقول؛ جسمه، وصوته، وعينيه، وقسمات وجهه، وعليه توجيه كِيانه وحضوره كله إلى مهمَّة الاتصال مع جمهور المستمعين، وهذا يتطلَّب مُراعاة بعض الأمور منها:
وَضْع الجسم:
لا تقف مُتجمِّدًا في مكان واحد، ولكن حرِّك يديك وجسمك بإيماءات مناسبة للكلام، ويمكن أن تتدرَّب قبلها أمام مرآة بحيث تكون الإيماءات مُعبِّرة، وليست مجرد حركات عشوائية مُتنافرة مع الكلام.

الاتِّصال البصري:
من المهم توزيع النظرات على جميع الحاضرين والتنقُّل من واحد إلى آخر، وتجنَّب النظر في الفراغ أو التركيز على نقطة واحدة أو مجموعة معينة فقط، أشعِرْهم أنك تتكلَّم مع كل شخص فيهم، أو على الأقل إلى كل منطقة تجمع عددًا منهم، وعليك إدراك أحوال السامعين أثناء الحديث، هل هم مُقبِلون عليك، فتسترسل في الحديث، أم معرضون عنك فتتَّجه إلى ناحية أخرى، ومن المهم أيضًا ملاطفة الجُلَساء حتى لا يشعروا بالسأم، ولا يدخلهم الفتور.

وهذه بعض النصائح التي من المفترض مراعاتها أيضًا في الدرس:
- الابتعاد عن اختيار كلمات صعبة لا يفهمها الحضور.
- أن تكون الأسئلة التي تطرح يمكن إجابتها من الجمهور.
- الابتعاد عن الحركات الكثيرة، وحُسْنُ المظهر.
- الإيجاز في الإجابة وعدم التعجُّل فيها.
- الاستعداد للأسئلة المفاجئة.
- قولك لا أعلم ليس عيبًا، ولا انتقاصًا منك، ويمكنك بكل بساطة أن تُخبرهم بأنك ستبحث عن الإجابة، ثم تُجيب عن السؤال.

عن الهيثم بن جميل: شَهِدْتُ مالِكًا سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألةً، فقال في ثنتين وثلاثين منها لا أدري.

الخاتمة:
ما أعظم رسالةَ الإسلام! وما أجملَ حياةَ مَنْ عاشَ في كنفها! وما أشقى حياةَ مَنْ أعرضَ عنها! وللداعية دورٌ عظيمٌ في إيصال كلِّ هذه المعاني للناس، وحتى يستطيع أن يوصلها للناس لا بُدَّ من منهج علمي عملي صحيح يسير عليه.

اللهم وفِّق العاملين المخلصين في حَقْل الدعوة الإسلامية لإنجاحها وتبليغها للناس.
_______________________________________
الكاتب: أ هبة حلمي الجابري










ابوالوليد المسلم 12-05-2025 01:06 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
أربعون نصيحة للأئمة والخطباء (PDF)

الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
لا اله الا الله




ابوالوليد المسلم 12-06-2025 10:29 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
كيف تكون محاضرتك ناجحة





الدكتور عثمان قدري مكانسي

ماذا يعني نجاح المحاضرة؟
1- بناء الثقة ( كسب ثقة الحاضرين )
2- المتابعة.( كسب الثقة تجعل المعجبين يتابعون محاضراتك)
3- انتشار الفكر.( والمتابعة والاهتمام ينشر فكرك وأفكارك ومبادئك)
4- أن يكون أسلوبك قدوة.( يقلدك الآخرون بأسلوبك وطريقتك )


أساليب النجاح:
1- إعداد المحاضرة بشكل جيد.
2- اللغة السليمة الواضحة .
3- الأداء الجيد ( قيادة المحاضرة الآسرة الواعية).
أ‌- التناسق( التوافق في زمن المحاضرة ومادتها)
ب‌- استعمال التقنيات الحديثة ما أمكن.
ت‌- المراوحة بين الأساليب ( إنشاء وخبر )
ث‌- الصوت المناسب لفقرات المحاضرة.
ج‌- إشراك الحضور( سؤال، تعجّب، نظرات ذات معنى، وتوزيع الاهتمام..الاستطراد غير المخِلّ، أو نكتة سريعة ..)
ح‌- تنبيه الحاضرين (بابتسامة أو تكرار ذي مغزى ...أو..).
خ‌- وقت السؤال أو التعليق آخر المحاضرة أو بين فواصلها.


تلافي الإحراجات:
1- سؤال لا يعرف المحاضر جوابه... ( نتذكر قول الإمام مالك بن أنس حين سُئل اربعين سؤالاً فكانت أكثر إجاباته ( لا أدري).
2- رأي يخالف رأي المحاضر...( نقدم له الشكر بلباقة مقدرين رأيه المخالف).
3- سؤال خارج الموضوع...( إما أن يكون الجواب سريعاً وإما – وهو الأفضل – أن نعتذر عن الجواب لأنه خارج موضوع المحاضرة).
4- أحدهم استلم الحديث فأفاض.( قد نتركه يتحدث قليلاً ، ثم نقاطعه بأدب ونعتذر إليه بأن للمحاضرة وقتاً منبهين إلى ضرورة إنجاح المحاضرة وعدم المقاطعة.) ولا بأس أن نعد بالاستماع إليه إن بقي وقت إضافيّ.










ابوالوليد المسلم 03-07-2025 02:49 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
كيف تصبح خطيبًا متمرسًا؟ دروس وتجارب عملية


. أحمد نصيب علي حسين






https://www.albayan.co.uk/Uploads/im...2025031354.png




دعوت في مقال سابق إلى ضرورة نقل الدعاة تجاربهم للدعاة الجدد؛ حتى يستفيد غيرهم من جهودهم، ويطوروا من أدائهم، ولا يقع غيرهم في أخطائهم، وانطلاقًا من ذلك أسعى في هذا المقال لنقل تجربتي مع الخطابة والدروس التي ألقيتها على المصلين؛ حتى يستفيد الدعاة والقراء منها، رزقنا الله وإياكم العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص في القول والعمل.
التوازن بين الجرأة والحذر من الإلقاء
هناك مَن يرى الإلقاء سهلاً، ويرى أن أيّ شخص يستطيع الخطابة، حتى ولو افتقد الأساسيات من العلوم الشرعية واللغوية، وهناك مَن يبالغ في المتطلبات المراد توافرها في الخطيب؛ فيمنع مَن يستطيع بحُجَج واهية، فقد يستطيع الخطابة فيظل حذرًا من الخطابة، وما منعه سوى الخوف من الإلقاء.
فالجراءة على الخطبة بدون عِلْم ومن غير آليات الخطابة تُنفِّر الناس من الخطبة، وتدفعهم للإعراض عن الاستماع للخطيب، ولا تستفيد من الخطبة حتى ولو اشتملت على العلم النافع نتيجة لما يكسو الخطيب خطبته من الأداء الرديء.
والخوف من الخطابة مع امتلاك الشخص العلم النافع ومؤهلات الخطابة، لكنه يفتقد التدريب؛ يحرم الناس من خير كثير، ويحرم الشخص من التزود بالمزيد من العلم من خلال التحضير المستمر للخطبة.
والحق في التوسط بين تلك الصورتين؛ فلا ينبغي الاستهانة بالخطابة فيُقبل عليها مَن لا باع له بالعلوم الشرعية والعربية، ولا نبالغ فنمنع مَن يستطيع الخطابة لكنَّه يفتقد التحضير والتدرُّب واعتياد مواجهة الجماهير.
التحضير الجيد: بناء علمي للخطيب
من أهم الدروس والتجارب النافعة التي تعلَّمتها في تجربتي مع الخطابة: أن التحضير الجيد كان يُزوّدني بالكثير من العلم والتفاصيل المفيدة، ويدلّني على المزيد من المراجع النافعة، فكلما توسَّع المرء في التحضير والقراءة العميقة؛ انتفع بذلك في نفسه وفي خطبته؛ حيث يقف على مسائل لم يكن يعلمها.
ومع تكرار التحضير الجيد والاطلاع الواسع سيعرف مظانّ الموضوعات والمسائل، وستكون خطبته جيدة ومؤثرة وواضحة، فكلما تعمَّق الخطيب في التحضير اتضح الموضوع للخطيب، مما يجعله يستطيع الشرح والتوضيح للمستمعين، فتوضيح الخطيب للموضوع فرع من وضوحه في ذهنه.
النصوص الشرعية ترفع من قَدْر الخطبة وقيمتها
النصوص الشرعية لها دور عظيم في تأثير الخطبة في الجمهور، فالخطبة المبنية على القرآن وصحيح السنة النبوية يستقبلها الجمهور استقبالًا حسنًا ويتفاعل معها.
ومن الدروس النافعة التي وقفت عليها في خطبة الجمعة: أنه كلما حرص الخطيب على البحث عن الأدلة الشرعية لموضوعه وساقها في خطبته ودرسه؛ زادت قيمة خطبته ومكانتها، وسهل عليه الموضوع في التحضير والإلقاء؛ فالنصوص الشرعية من القرآن والسنة النبوية الصحيحة تكسو الخطبة بهاءً وجمالًا، وتجعل تحضير الخطبة وإلقاءها سهلًا. وقد كان وضعي للنصوص الشرعية في خطبتي يُرقّيها ويسهلها في نفس الوقت، فعناصر الموضوع ما أضعها إلا بناء على الآيات والأحاديث، فهي أساس خطبتي وقوامها.
كيف تخطب خطبة قصيرة؟
من أفضل الأمور التي تجعل خطبتك قصيرة ونافعة هو التحضير الجيد، والتركيز على النقاط المهمة فقط، ومعرفة النقاط المهمة يكون عبر الاطلاع على الآيات والأحاديث التي تتناول الموضوع. فالخطيب لن يستطيع ذِكْر كلّ شيء فليحرص على الأهم وفقًا للوقت المتاح، وأظن أن مَن يطيلون في الخطبة ويكون أداؤهم باهتًا بسبب ضعف التحضير، فالخطيب الذكي بتحضيره يستطيع توجيه رسالة واضحة للجماهير وفي دقائق محدودة.
لا تعتمد على الخطب الجاهزة
هناك خطب جاهزة في كتب مُؤلَّفة، وعلى الإنترنت، وهذه تنفع في ضيق الوقت عن التحضير وعدم الاهتداء لموضوع ما، لكن الاعتماد عليها وترك التحضير مطلقًا تُفْسِد على الخطيب فسادًا كبيرًا، فتجعله يعتاد الكسل ويترك التحضير وما فيه من منافع وفوائد، وتحرمه من خيرات المطالعة وصحبة الكتب النافعة.
التمهيد من أهم الأشياء في أجزاء الخطبة
من أهم الأشياء المطلوبة في الخطبة هو: البداية بالتمهيد الذي يجذب الجمهور، فليس من الحكمة الدخول في خطبة الجمعة من غير تمهيد، فالتمهيد يُجهِّز ذهن المستمع للخطبة، ويجذب انتباهه للخطبة. والتمهيد له صور عديدة، فقد يكون التمهيد قصةً أو سؤالًا أو ذِكْر عنوان الخطبة مباشرة، وفكرة التمهيد هذه أخذتها من الشيخ محمد حسين يعقوب التي أخذها من الشيخ محمد صفوت نور –رحمه الله- الرئيس الأسبق لجمعية أنصار السنة المحمدية بمصر.
لا تنظر للبدايات الخاطئة
في بداية الإلقاء ستجد نفسك خجولًا خائفًا حَذِرًا في الإلقاء، فلا تعبأ بتلك البدايات، ولا تهتم بها، فسرعان ما تذهب تلك البدايات، وبعد ذلك ستمتلك ناصية الإلقاء وتصبح بليغًا في الحديث، فلا تحزن من ظلمة البداية، فبعد أسابيع من الإلقاء المتعثر ستشرق -بإذن الله تعالى-.
تكرار الخطب وإعادة التنبيهات المهمة
تكرار الخطب المهمة على الجمهور من الأمور المهمة، فهناك بعض الموضوعات المهمة مثل مقاصد الإسلام الكبرى، وأعمال القلوب، والكبائر التي يكثر الوقوع فيها؛ هي لا يستغني الخطيب والمستمعون عن تكرارها، والتكرار أنفع للداعية فيحفظ الأدلة والموضوعات، وأنفع للجمهور؛ فما تكرَّر يتقرَّر لديهم ويستقر عندهم أهميته.
وهناك أمر آخر يحتاج الداعية لتكراره على مسامع الجماهير وهو التنبيهات والضوابط المهمة حتى لا يَفهم الناس كلامه خطأً، مثل معنى الزهد الصحيح، وحقيقة الدنيا المذمومة في القرآن والسُّنة.
كنزك في كتابة الخطبة
من التجارب المهمة التي اقتنعت بها وعرفت جدواها جيدًا: أن تسعى لكتابة خطبك ودروسك، وأعتقد أن الكشكول المُدوَّن فيه دروسك وخطبك يُعتبر كنزًا عظيمًا، فستزداد علمًا بمراجعتك له، ويُسعفك -بعد الله- في وقت الأزمات عندما يضيق وقتك عن التحضير.
وستضيف للخطب القديمة تفاصيل ومسائل جديدة لتنضج خطبك، وتُفيد جماهيرك بحديثك، وعندما تُعيد خطبة خطبتها سابقًا ستجد الموضوع واضحًا في ذهنك وضوح الشمس، وستجد يسرًا في التحضير والإلقاء.
الخطبة تُعرّفك المراجع المهمة
بعد طول العمر في التحضير ستتعرف على المراجع المهمة التي لن تستغني عنها، وترجع لها مرارًا وتكرارًا، ومن تلك المراجع المهمة التي وقفت عليها: كتاب نضرة النعيم في أخلاق النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وكتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة، وكتاب رسائل ابن رجب، وجامع العلوم والحكم، ولطائف المعارف، ومجلة البيان اللندنية، وفتاوى موقع الإسلام سؤال وجواب.
اختيار موضوع الخطبة مبكّرًا كنز عظيم
من أجمل ما يرفع من قَدْر خطبك وينفعك في تحضيرها: الاختيار المبكر لموضوع الخطبة، فإن استطعت أن تختار موضوع خطبتك القادمة قبل صعودك للخطبة الحالية فافعل، فهذا نافع جدًّا. فالاختيار المبكر يُوسِّع من مجال تفكيرك وتأملك للموضوع، ويدفعك للتعمق في القراءة والمطالعة؛ فتطلع على الدرر والجواهر، فتنتقي للناس أجمل ما وقفت عليه من درر.
ولقد شعرت بتلك الميزة العظيمة عندما جعلت وقتًا يوميًّا للتحضير فأقرأ فيه، فاطلعت على ما راقَ لي من تفاصيل الموضوع، وفرحت بما وقفت عليه من معلومات ونصوص أضاءت لي موضوعي.
حماس الخطيب بخطبته يؤثر في جمهوره
كن متحمسًا ومنفعلًا لخطبتك وموضوعها؛ حتى تترك أثرًا نافعًا في المستمعين، فلا بد من الانفعال بموضوعك والتأثر به قبل أن يتأثر الناس، فالناس يتأثرون بتأثرك، وينفعلون بانفعالك، وسيرونك خطيبًا عندك قضية تريد الدفاع عنها، وسيشعرون أن لك رسالة تريد توصيلها للجماهير، ولست موظفًا تكسب بخطبك المال.
برنامج المكتبة الشاملة: العصا السحرية
من أجمل البرامج التي نفعني الله بها نفعًا عظيمًا: برنامج المكتبة الشاملة، لن يستغني عنه خطيب في تحضير خطبته عن هذا البرنامج، فلديه إمكانيات مذهلة في البحث والنسخ والقراءة، ومن أجمل مميزات برنامج المكتبة الشاملة التي على الحاسوب ميزة النسخ التراكمي.
الإخلاص سبيل النجاة
الخطيب والواعظ على خطر عظيم؛ لأن عمله ظاهر للناس وليس سرًّا، فتحقيق النية ليس سهلًا، وليس هذا مدعاة لترك الخطابة، بل مدعاة لمجاهدة النفس في تحقيق مقصده الحسن، فيجب عليك العناية بتجديد النية الصالحة، فينبغي أن تعتني بالإخلاص وتحمي نفسك من تسرُّب الرياء وحُبّ السُّمعة.
تجربتي في الخطابة تتلخص في: التحضير المبكر، والحرص على التمهيد الحسن، والاختصار في وقت الخطبة، وتدوين الخطب باستمرار، والاستفادة من المكتبة الشاملة، وعدم الملل من تكرار الخطب المهمة. رزقنا الله وإياكم الإخلاص.
إن التجارب الدعوية ما هي إلا تجارب بشرية يَعتريها النقص والخلل، وفيها من الدرر والفوائد، فلا ينبغي أن نتعلق بالنقص والخلل، بل نستفيد أيضًا من الدرر والفوائد؛ حتى نُطوّر من دعوتنا ونُحسِّن من أدائنا؛ وفقنا الله واياكم لما يُرضيه.








ابوالوليد المسلم 08-08-2025 07:19 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
خطبة الجمعة والفرص الضائعة


‏ الدكتور ياسر تيسير العيتي



يصعد الخطيب على المنبر فيتحدث في عناوين عامة (العودة إلى الله – إصلاح ذات البين – إخلاص النية ..) ويدعم كلامه بآيات وأحاديث وقصص من التاريخ تبين (عظمة الإسلام) ومدى (صلاح وتقوى المسلمين الأولين) ومدى (بعد المسلمين اليوم عن الله) ثم ينهي خطبته ويخرج المصلون من المسجد ولا يغيرون شيئاً من سلوكهم وتستمر أوضاع المسلمين السيئة على ما هي عليه إلى أن ينقضي الأسبوع ويأتي موعد الخطبة التالية وتتكرر القصة ذاتها..

إذا وازنّا بين مئات ملايين الساعات التي يقضيها مئات الملايين من المسلمين كل أسبوع وهم يستمعون إلى خطبة الجمعة والأثر الذي تتركه هذه الخطبة في واقعهم لوجدناه ضعيفاً جداً، ولا أعتقد أن الله قد فرض صلاة الجمعة على المسلمين لتكون طقساً جامداً لا روح فيه ولا أثر له في حياة الأمة وواقعها.

إن أحد أسباب فقدان خطبة الجمعة لفعاليتها هو تحركها في العموميات وابتعادها عن التفاصيل التي يحتاج إليها المسلمون فعلاً لتغيير واقعهم.

فمثلاً يمكن للخطيب أن يطلب من المصلين أن يعاملوا زوجاتهم بإحسان، وأن يسوق الآيات والأحاديث وقصص التاريخ المتعلقة بهذا الأمر، وأن يكتفي بذلك فيخرج المصلون من المسجد دون أن يتعلموا شيئاً جديداً يساعدهم على تجاوز التحديات التي تواجههم في حياتهم الزوجية، ويمكن للخطيب أن يتناول أمراً محدداً مثل الخلافات الزوجية ويستعرض الأساليب العملية التي تساعد على توقي هذه الخلافات وحلها ، وهكذا يخرج المصلون ولديهم أفكاراً عملية جديدة يمكن تطبيقها والاستفادة منها.

كثير من الناس الذين أعرفهم يحدثونني عن معاناتهم في البحث عن مسجد يصلون فيه الجمعة فأكثر الخطباء خطبهم منفصلة عن الواقع ولو لا (الروزنامة) المعلقة في المسجد لما استطعت أن تميز الزمن الذي تلقى فيه الخطبة أهو القرن الثالث الهجري أم القرن الخامس عشر!

أتمنى على خطبائنا أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية وأن يخصصوا ساعة من وقتهم كل يوم لرفع سوَّيتهم الثقافية بقراءة الكتب (غير الدينية) التي تشرح آخر ما توصلت إليه العلوم الاجتماعية والتربوية وعلوم التواصل والسلوك الإنساني والتنمية البشرية والإدارية والقيادية، وأن يعيدوا النظر في تلك الفكرة التي تقول (كل شيء موجود في الإسلام ولا حاجة لنا إلى معرفة ما يأتي من غير المسلمين فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية) فهي فكرة لا تحمي الإسلام ولا تساعد على تطبيقه، بل تحنّطه وتعزله عن الواقع، وتجعل شعار (الإسلام هو الحل) بمثابة نكتة يهزأ بها المستهزئون!

إن عظمة الإسلام تكمن في أنه وضع القواعد العامة وترك تفاصيل تطبيقها للعقل البشري ليجتهد ويبدع بما يواكب تطور البشرية وتقدمها. فمثلاً يقول تعالى :[وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ] الأنفال -46- هذه الآية يرددها كثير من المسلمين فيما هم يتخاصمون لأتفه الأسباب.
إن حل النزاعات اليوم أصبح علماً قائماً بذاته ولا يكفي ترديد هذه الآية لحل النزاعات بين المسلمين ما لم تكن لديهم المعرفة التفصيلية بأدوات توقي النزاعات وتجاوزها. ينطبق هذا الأمر على كثير من الأمور التي لها علاقة بالتربية والإدارة والقيادة والتواصل وتحفيز الآخرين والتأثير فيهم وتغيير السلوك الإنساني وغيرها من المجالات ...

الناس اليوم تعبوا من صراخ الخطباء على المنابر ومن الحديث المكرَّر الممل.

إن للناس حاجات ومن ينجح في تلبية هذه الحاجات يقبلون عليه ويمشون خلفه ويقتدون به.

إن دور المنبر في قيادة الأمة سيعود عندما يفكر الخطيب قبل صعوده المنبر بحاجات الناس الذين يستمعون إليه وكيف سيطرح أفكاراً تساعدهم على تلبية هذه الحاجات ،وهذا يحتاج إلى التواصل مع الناس وإلى الإطلاع على آخر ما توصل إليه الإنسان في شتى مجالات المعرفة.








ابوالوليد المسلم 10-08-2025 01:02 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
وصايا إلى خطيب الخطبة

أحمد بن عبد الرحمن القاضي


- قد بوأك الله مبوأ صدقك، وأحلك محلةً رفيعة فوق أعواد المنابر تخاطب جموع المسلمين؛ تعظهم وتذكرهم وتعلمهم فهنيئًا لك ما ساق الله لك من الخير وأجرى على لسانك من الكلم الطيب.
- لا يعزب عن بالك أيها الفاضل الكريم أن غاية (الخُطبة): ذكر الله وما والاه. كما قال تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله) فاستصحب هذا المعنى لتجلو صدأ القلوب الذي تراكم خلال الأسبوع.
- اعلم رعاك الله أن هذه الشعيرة العظيمة في هذا اليوم العظيم من أعظم أسباب بقاء الإسلام وتوطيد أركانه في المجتمعات. فاقدر هذه المهمة حق قدرها، وأولِها ما تستحق من عناية واهتمام، واجعلها عبادة لا عادة، ودروسًا لا طقوسًا.
- اعتن وفقك الله بالحديث عن المهمات وما يحتاج إليه الناس في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم وما يشغل بالهم ولا تطوِّح في موضوعات لا حاجة لهم بها، وحدث الناس بما يعرفون.
- تكيَّف مع موضوع خطبتك وانفعل انفعالًا صادقًا بما يقتضيه المقام وليظهر ذلك على نبرة صوتك وحركة بدنك فقد كان النبي ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ولا تُمتها بالهمهمة والإلقاء البارد.
- لا تطل الخطبة وقل قولًا فصلًا جامعًا مانعًا، وتجنب تكرار المعاني، وأطل صلاتك فإن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه. أي علامة على فقهه. وإن من البيان لسحرًا.
- احذر أن تكون (ناسوخًا) تستنسخ خطب غيرك، وتتشبع بما لم تعط! استفد من الآخرين واقطف من كل بستان زهرة وأعد إخراجها حاملة بصمتك، كما يخرج من النحلة شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.
- تفطن للمواسم والمناسبات واخطب بما يناسب الحال وبيان ما يُحتاج إليه من أحكام العبادات: كالصوم والحج والأضاحي، والمعاملات: كالزروع والثمار والمبايعات والمساهمات، والعادات: كالسفر والزواج والإجازات.
- تقمّص صفة الناصح الشفيق لا المعنِّف المؤنِّب الغليظ. وتلطف في إيصال الفكرة واستلِن القلوب بموعظة الكتاب والسنة وكلام الحكماء وشيء من مستجاد الشعر والأدب والقصص.
- تجنب الإثارة والتحريض وإيغار الصدور ولتكن خطبتك مستراحًا للنفوس وربيعًا للقلوب وجلاءً للأحزان حتى يشتاق الناس إليها ويرقبونها، ويخرجون منها أعظم إيمانًا ورغبة في العمل الصالح. وفقك الله.











ابوالوليد المسلم 15-08-2025 01:52 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
دور الخطيب وأهميته في المقام الخطابي


إن الخطبة لا يمكن أن تنبعث فيها عناصر القوة، وتدِبَّ في كيانها الحياة، وتتحقق منها الإفادة التامة، والتأثير المطلوب؛ إذا لم يوجد لها خطيب فصيح متمكن، تتوافر فيه مقومات الخطيب وصفاته اللازمة والمؤهلة له، كي يكون خطيبًا جيدًا، ومتحدثا لبقًا، يأسر القلوب بفصاحته، ويستميل النفوس بقوة تأثيره.
وقد نرى خطبة مناسبة ومادة علمية جيدة، وموضوعًا مهمًّا يحتاج إليه الجمهور، ولكن للأسف يقوم بعَرْض هذا كلِّه خطيبٌ هزيل المستوى، ضعيف الأسلوب، رديء الإلقاء، فيضيع الموضوع وتضيع معه الفائدة، وتنصرف أذهان الناس عن متابعته، والتفاعل معه، وينعدم الإقناع والاستمالة اللذان هما من أهم أسس الخَطابة.
وفي بعض الأحيان قد نرى نقصًا في بعض المواصفات الخاصة بالخطبة، من حيث اختيار الموضوع وترتيب العناصر ونحو هذا؛ إلا أن الخطيب يكون ذا مستوى راقٍ، وأداء جيد، وعرض حسن، وإلقاء مؤثر، فينجبر ذلك النقص، وتكون الفائدة، ولا يحس الناس مللا، ولا تشرد أذهانهم عن متابعة الخطيب.
وأنا أعرف بعض الخطباء كان يُهْرَع الناس إليه من أماكن دانية وقاصية، وتضيق الساحات والشوارع عن استيعاب الجموع الوافدة، والجمهور القادم من مسافات شاسعة، مع أن الخطبة - في كثير من الأحيان- لم تكن ذات موضوع محدد، وإنما خليط من موضوعات متفرقة وبالتالي لم تكن ذات عناصر متناسقة، ولم تكن تحتوي على مادة علميه ثرية، بل متواضعة، إلى غير ذلك من نقصان المواصفات اللازمة للخطبة الجيدة، لكن قوة أسلوبه، وفصاحته وبلاغته، وحُسنْ إلقائه وجودة عرضه، كانت قمينة بجذب الأعداد الغفيرة إلى استماعه، فقد كان بحق موهوبًا، يتمتع بالخصائص الفنية للخطيب البليغ، الماهر الجيد، الذي لا يترك ثغرة يشرد عبرها ذهن المستمع.
وكم يشكو جمهور المدعوين من أن فلانًا ممن يخطب الجمعة عالم، ويحضِّر موضوعه، ولا يستطيع أن يقدح في علمه أحد، لكنه لا يجذبنا ولا ينجح بالدرجة المطلوبة في توصيل المعلومة إلى المستمع، بعكس فلان الذي هو دونه في العلم، لكن عرضه جيد وإلقاءه جذاب، ونستفيد منه، بالرغم من أن علمه متواضع.
وهكذا نجد أهمية الخطيب، وموقعه الحساس، ودوره الخطير في العملية الخطابية.. إنه هو الذي ينفخ روح الحياة في الخطبة، ويمدها بأسباب القوة وعوامل النجاح.
ولهذا كان إعداد الخطيب حرِيًّا بالعناية والاهتمام، وهو ما جعلنا نقدِّم الحديث عنه على الحديث عن الخطبة.
وجدير بالذكر أن حديثنا عن الخطيب هنا إنما هو عن الخطيب المسلم الداعية، الذي يتوسل بالخَطابة لنشر الدعوة الإسلامية، والتمكين للإسلام في الأرض، ولشريعته بأن تسود وتحكم، ولسنا نتحدث عن الخطيب من المنظور الفني البحت، كما هو حال بعض من يكتبون في الخَطابة، بل عن الخطيب المسلم باعتباره صاحب دعوة يحيا بها، ويعيش من أجلها، ويعمل لخدمتها، ويضحي في سبيلها؛ عن هذا الخطيب نكتب، ولإيجاده نسعى، وربنا المستعان.
وهذا الخطيب الداعية له مقومات يلزم أن تتحقق فيه، كي ينجح في مهمته الخطابية والدعوية، وهو ما نفصله - بتوفيق الله - في مقالات قادمة..
__________________________________________________ _
الكاتب: أ. د إسماعيل علي محمد










ابوالوليد المسلم 22-08-2025 10:50 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
كيف تؤثر في قلوب الناس


عبد الكريم علي الخلف


(الداعية المؤثر)



مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله تعالى فنٌّ يجيده الدعاة الصادقون، وهي من أعظم ما تملكه هذه الأمة من رأس مال معنوي, ومن خلالها نقدم الترياق للمشكلات التي يعاني منها العالم بأسره. قال تعالى: [قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني...]. . لذا فإن على الدعاة آداباً لابد أن يتحلوا بها حتى يؤثروا في قلوب الناس وعقولهم -فتصل دعوتهم من القلب إلى القلب- وحتى يكونوا رُسُل هِداية، ومشاعل حقّ وخير، يؤدون الرسالة كما أرادها الله تعالى.
أولاً: من شروط التأثير:
1-الإخلاص لله تعالى:

الإخلاص هو سر النجاح، فالداعية يستكمل في دعوته شروط قبول العمل، بإتقانه وتحضيره، وموافقة دعوته للكتاب والسنة، ثم يسأل الله تعالى الإخلاص والقبول، عند ذلك يكون على المسار الصحيح وتصل دعوته إلى الآفاق. فالإخلاص في العمل يجعل الثمار تؤتي أكلها سريعاً ، وبمقدار الإخلاص تكون المعونة من الله تعالى.
2-القدوة الحسنة :

فالداعية يؤثر في اقتداء الناس له بسلوكه وتصرفاته وأقواله وحتى ببعض حركاته فالدعوة ليست كلاما ً إنما هي عمل مع الثقة بنصر الله تعالى. والداعية لا يوجه الناس إلى نفسه بل يربطهم بالمنبع الرئيسي ألا وهو الكتاب والسنة، وهذا واضح في القرآن الكريم، قال تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة...] (الأحزاب: 21).
3-التحضير الجيد للموضوع:

من أهم أسباب نجاح الدعاة في البدايات والنهايات هو التحضير للموضوع وبراعة اختيار العنوان، والارتجال يأتي مع التمرس والخبرة في المستقبل، لكن لا بد من التحضير الجيد لمادة الموضوع، واستعمال الوسائل الإيضاحية والصوت والصورة لجذب المستمع إلى الفكرة، وتجنب السآمة والملل.
4-التوازن بين الترغيب والترهيب:

فالداعية المؤثر لا يبالغ في الترغيب حتى يتكل الناس، ولا يسرف في الترهيب حتى ينفر الناس، بل منهجه الاعتدال والتوسط في كل شيء، وبذلك ينشر روح الأمل في نفوس السامعين، وفي نفس الوقت يدفعهم للعمل الجاد والمثمر.

5-استخدام الأسلوب القصصي:

الداعية بحاجة إلى الترويح على نفوس السامعين بإيراد القصص التي تصب في نفس الموضوع وتوضح الفكرة، مما يؤدي إلى رسوخ المعلومة؛ لأن القصة يحفظها السامع وترسخ في نفسه سريعاً. وهذا هو منهج القرآن، حيث ذكر قصص الأمم السابقة من أجل الاعتبار بحالهم، وتجنب المعاصي والأخطاء التي وقعوا بها وغير ذلك من الأهداف...
6-الابتسامة والدعابة:

الداعية عليه أن يكون منفرج الأسارير بسّاماً بشوشاً لا عبوساً مقطب الجبين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة) أخرجه الترمذي. فالابتسامة تعرف طريقها إلى القلب مباشرة، وبذلك تحصل العلقة بينه وبين الناس، فيحبهم ويحبونه، فيستفيدون من كلامه ومواعظه ويتأثرون بها أبلغ التأثير. ولكن لا يكثر الداعية من الدعابة والمزاح فيفقد هيبته، بل يكون مزاحه قليلاً كالملح للطعام.
7-انتقاء الكلمة والمصطلح:

من أهم ما يحرص عليه الداعية هو انتقاء الكلمة والمفردة التي تؤدي المعنى الصحيح، فكل مصطلح له مرادفات فعلى الداعية أن ينتقي أجملها وأفضلها، فالكلمة المؤثرة في موضعها يكون مفعولها أقوى من حد السيف. وإن الإنسان مسؤول عن كلماته كما ورد في الحديث: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق). أخرجه البخاري

8-الابتعاد عن التملق والتصنع والتلون:


فالداعية المؤثر صاحب مبدأ ومنهج لا يحيد عنه لإرضاء فلان وفلان، فإرضاء الناس غاية لا تدرك، وعليه أن يلتمس رضا الله أولاً وأخيراً، كما جاء في الحديث: (مَنْ أَسْخَطَ اللهَ فِي رِضَا النَّاسِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ، وأَسْخَطَ عَلَيْهِ مَنْ أرضاهُ، وَمَنْ أَرْضَى اللهَ فِي سَخَطِ النَّاسِ رَضِي اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ مَنْ أَسْخَطَهُ). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
9- الصدق وعدم ادعاء ما ليس فيه:

من أهم أسباب الدعوة المؤثرة أن تكون من رجل صادق، لا يدعي ما ليس فيه، ولا يتعالى على الناس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور). أخرجه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر...). أخرجه مسلم.
10-احترام المواعيد:

فالداعية المؤثر يحترم مواعيده فلا يخلفها، ويجتهد بالحضور إلى موعد الدرس قبل الوقت ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فالناس يرقبونه وإن كان لا يشعر، واحترام الموعد هو احترام للناس الذين ينتظرون، وبالتالي سيبادلونه الاحترام ذاته.
11-التواضع من غير مذلة:

فالإنسان مهما كانت منزلته عليه أن يتواضع لله، قال تعالى في وصف الدعاة الصادقين من المؤمنين: [أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين] (المائدة: 54). أي متذللين غير متكبرين. وقال صلى الله عليه وسلم: (وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه). أخرجه مسلم فالمتواضع يحبه الناس ويتأثرون به ويلازمونه أكثر من غيره. وقال الشاعر:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ ... على صفحات الماء وهو رفيعُ
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ...... إلى طبقات الجو وهو وضيعُ

ثانياً: كيف تكسب قلوب الناس من حولك:

هناك أمور كثيرة تجعل كلماتك تدخل إلى القلوب من غير استئذان، منها:
1- الهدية وإن كانت رمزية:

قال صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا). رواه مالك في الموطأ
وفي رواية الترمذي: (تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وحر الصدر).
2-إفشاء السلام:

وهذه نصيحة نبوية لكسب القلوب، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ). أخرجه مسلم
3-الزيارة في الله:

فمن زار أخاه في الله (ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً). أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلا زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة ترُبُّها (أي ترعاها وتصلحها)؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. رواه مسلم . فاحرص أخي الداعية على تفقد إخوانك وزيارتهم في الله؛ لأنها توجب لك محبة الله؛ ومن أحبه الله فقد أمِنَ من عذابه؛ لأن الحبيب لا يعذب حبيبه..!
4-العفو عند المقدرة:

النبي صلى الله عليه وسلم علمنا العفو، عندما عفا عن المشركين يوم الفتح الأعظم؛ لأن العفو يجعل البعيد قريباً، و البغيض حبيباً...، وجاء في البخاري أن هنداً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم عندما عفا عنها: (يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء، أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك). ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً). أخرجه مسلم.
5-إظهار الشفقة والرحمة والرأفة بالمدعو:

وهذا من منهج النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال في قصة الغلام اليهودي المريض فقال له أبوه أطع أبا القاسم، فأسلم ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي أنفقذه بي من النار). أخرجه أبو داود
6-الإكثار من الدعاء إلى الله في الأسحار: أن يفتح الله لك قلوب الناس.
7- احترم رأي الشخص الآخر: و لا تقل لأحد انك مخطئ إلا إذا كان مخطئ فعلاً فعلِّمه برفق.
8- اللباقة والأدب: قدم ما تريد على شكل اقتراحات مهذبة ولا تصدر أوامر صريحة.
ختاماً: نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل والنية، إنه سميع مجيب.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.








ابوالوليد المسلم 24-08-2025 01:48 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
فن الإلقاء المتميز


عبد الكريم خلف


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن الإلقاء المميز هو موهبة عظيمة ونعمة كبيرة، ولكن هذه الموهبة بحاجة إلى صقل وتنمية وإلا فإنها تضعف و تتضائل ولا ترتقي إلى المستوى المطلوب...
عناصر الموضوع:
أهمية الإلقاء الجيد
فوائده الإلقاء المؤثر
مواصفات الملقي البارع
أركان الإلقاء المميز...
طرق وأساليب الإلقاء..

يقول ابن سينا:
الإلقاء والخطابة: "وظيفة قادة الأمم من الأنبياء والمرسلين ومن على شاكلتهم من العلماء العاملين وعظماء الملوك وكبار الساسة".
تمهيد:

تعريف المصطلحات:
الخطابة: لغة واصطلاحاً:

لغة: الكلام المنثور
اصطلاحاً: هي الكلام المؤلف الذي يتضمن وعظاً وإبلاغاً على صفة مخصوصة.
فن الإلقاء:

هو علم ذو قواعد وأصول وأساليب وضوابط لا بد من تعلمها ثم التمرس عليها، مع المقدرة النفسية والموهبة الإلهية.
نستنتج من هذا التعريف:
الخطابة والإلقاء ترتكز على أمرين أساسين
1-العلم
2-الموهبة

فن الإلقاء في القرآن الكريم:

غاية هذا الفن: الإقناع والتأثير
قال تعالى: [وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً] (النساء: 63)
قال تعالى: [وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب] (ص20)
وقال عن موسى: [وأخي هارون هو أفصح مني لساناً] (القصص: 34)
فالإلقاء الجيد هو:

(فن إيصال فكرة لمجموعة من السامعين على نحو مقنع ومؤثر).
فن الإلقاء في السنة المطهرة:
التأثير النفسي في نفوس السامعين
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون). أخرجه الترمذي.
وعن عائشة: (كان كلام رسول الله فصلاً يفهمه كل من سمعه). أخرجه أبو داود
أهمية الإلقاء الجيد:

تأتي أهمية الإلقاء من كونه عنصراً أساسياً من عناصر التبليغ والثقافة منذ الجاهلية (سوق عكاظ)
مروراً بالإسلام ....إلى عصرنا الحالي...
فالمنبر هو وسيلة إعلام قوية ومؤثرة...فينبغي استغلال هذه الوسيلة وتوظيفها التوظيف الجيد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مُبَلَغ أوعى من سامع). أخرجه الترمذي.
فوائد الإلقاء المؤثر:

أ- فوائد اجتماعية:
1-الحث على الأعمال التي تعود بالنفع على المستمعين
كتحفيز المجاهدين قبل المعركة...
2-التنفير من الأعمال السيئة التي تضر الفرد والمجتمع...كالتدخين مثلاً
3-إثارة الحماس تجاه قضية معينة...كنصرة الشعب السوري...
4-إقناع المستمعين بمسألة معينة...كتعجل الزكاة مراعاة للفقير
5-بناء جيل متعلم ومثقف واعي بقضايا أمته.
ب-فوائد شخصية: (للداعية)
1-فرصة للاتصال المباشر مع الناس
2-بناء علاقات جيدة مع أصحاب القرار
3-إتقان مهارة جديدة (التواصل)
4-زيادة فرص النجاح في الحياة.

أهداف الإلقاء:

من عناصر نجاح الداعية معرفة الهدف من الخطبة والمحاضرة التي يريد إلقائها
ما هي الرسائل التي يريد إيصالها للسامعين...
من أهم الأهداف للإلقاء المؤثر:

1-بيان حكم شرعي...
2-تصحيح مفهوم خاطئ...مثال: خطبة النبي عند وفاة ولده إبراهيم:
(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي) رواه البخاري
3-إزالة شبهة عالقة بأذهان الناس.
4-تحفيز الناس للجهاد في سبيل الله أو الإنفاق....
5-تفسير آية من القرآن الكريم..
6-بيان فضل صحابي أو عالم من العلماء.

مواصفات الملقي البارع:

1-العلم
2-الإعداد الجيد
3-المهارة اللغوية
4-إيصال رسالة مهمة
5-الثقة بالنفس
6-الصدق
7-مراعاة حال السامع
8-الاستماع الجيد
9-الإيمان بما تقول
أولاً: العلم:

ينبغي أن يتصف الخطيب بحسن المعرفة والإحاطة بفنه الذي يتحدث فيه، وإلا كان مناقضاً لنفسه، وسيتضح ذلك للجمهور سريعاً؛ لأنه لن يستطيع أن يحدث بغير علم، وقد قيل: (كل إناء بما فيه ينضح) فكيف إذا كان الإناء فارغاً!!!


ثانياً: التحضير الجيد:

لا بد من تحضير الدرس أو الخطبة أو المحاضرة مسبقاً ومراجعتها عدة مرات؛ لأن ذلك أبلغ في الوصول إلى السامع وشد انتباهه بالمعلومات الجديدة والمفيدة دائماً
ملاحظة: اهتم بالمقدمة واصرف لها بعض الوقت؛ لأنك تكسب نصف المعركة حين تجذب الجمهور وتسيطر عليهم من خلال المقدمة...
وكذلك الخاتمة..
ثالثاً: المهارة اللغوية:

هي امتلاك الداعية أو الخطيب لمعجم واسع من المفردات يزوده بقدرة فائقة على التعبير عن المعنى الذي يريده بأروع طريقة وأبدع أداء.
يقول صلى الله عليه وسلم: (أعطيت جوامع الكلم). متفق عليه (واللفظ لمسلم).
رابعاً: إيصال رسالة مهمة للسامع:

إن الخطب التي ليس لها هدف محدد غالباً ما تكون فاشلة، فلا بد للخطيب من تحديد هدف يمس حياة المستمعين ويجذب اهتمامهم.
قال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس: اسمعوا مني أبين لكم).
خامساً: الثقة بالنفس:

فالخطيب الرابط الجأش الواثق من نفسه سيكون طريقه إلى قلوب الناس قصيراً، ويحقق نتائج سريعة وثابتة أكثر من الخطيب المتردد.
سادساً: الصدق:

ولعلها أهم صفات الخطيب المتميز، فإن تحسس المشاعر وصدق الأحاسيس وصدق الحديث وأمانة النقل، سيكون لها أبلغ الأثر في نفوس السامعين.
قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الصدق يهدي إلى البر).
سابعاً: مراعاة حال السامعين:

وقد قيل: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم) فعلى الخطيب أن يكون ثاقب النظر نافذ البصيرة، فيختار الموضوع المناسب واللفظ المناسب.
ثامناً: الاستماع الجيد:

على الخطيب أن يحسن الاستماع للناس كي يكسب ثقتهم، ويعرف المشاكل التي يعانون منها ويتطرق إليها ويعالجها.
9-الإيمان بما يقول:

على الخطيب أن يكون قدوة للناس في تطبيق ما يقول، يقول طارق بن زياد في بعض خطبه:
(اعلموا أني أول مجيب لما دعوتكم إليه).
ويقول الشاعر:
لا تنه عن خُلق وتأتي مثـــــــله......عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها.....فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

قواعد ستة ينبغي مراعاتها (أثناء الإلقاء):

1-معرفة الخطيب متى يتحدث؟ ومتى يتوقف؟
2-يتحدث عن أشياء تلامس واقع الناس
3-يستخدم اللغة اليومية السهلة (الفصحى وليس العامية)
4-عدم التعالي على الناس
5-استخدام الإشارات الطبيعية.
6-الحرص على التواصل بالعين وتوزيع النظر على الجميع.


شروط الأداء الجيد:

1-لا تبدأ بالاعتذار؛ لأن الحضور قد لا يعرفون أنك لم تحضر فلا تتطوع بتنبيههم...!!
2-ابتسم أثناء الإلقاء ولو لمرة..
3-لا تبدأ بعجلة بل انظر للجمهور وخذ نفسا عميقاً
4-لا يكن صوتك منخفضاً للغاية ولا مرتفعاً للغاية...ولا صاخباً بل لازم الاعتدال
5-تابع حركة الجمهور واعرف متى تتوقف؟
نصيحة:

-لا تسرف في الأكل قبل الخطاب
- اهتم بمظهرك وأناقتك..
تجنب ارتكاب أقبح جريمة!!
يقول بعض الكتاب: (إن من يتحدث (30) د لثلاثين دقيقة حديثاً سيئاً لمئتي شخص قد ضيع فقط نصف ساعة من وقته...
ولكنه ضيع (100) مئة ساعة من وقت الآخرين – أي أكثر من أربعة أيام – وهي جريمة يجب أن يكون حكمها قاسياً).


إضاءة:

الأسلوب أهم من الكلمة:
لأن عناصر التأثير تتوزع على ما يأتي:
7% للكلمات
38% للصوت
55% للغة الجسد
ختاماً:

إن كان الجذع قد حن لفراق النبي صلى الله عليه وسلم...
فإن المنابر اليوم تئن ممن يرتقيها فيهذي ولا يجيد...








ابوالوليد المسلم 29-08-2025 12:49 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
فِقْه بَثّ العِلْم الشرعي


العِلْم الشرعي من أهمّ الدُّرَر التي ينبغي لطلاب العِلْم الحرص على تحصيلها، فالعِلْم نور في الظلمات، وهداية من الضلالات، وتقويم للاعوجاج، ونجاة من الفتنة والأزمات.
ولقد أشاد الله بمكانة العِلْم، ورفَع مكانة أهله؛ فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: ١١]، وجعل فرقًا واسعًا بين أهل العلم ومن سواهم؛ فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: ٩].
ولم يأمر بالدعاء بالمزيد من شيء إلا العِلْم؛ فقال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: ١١٤]، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم طلب العلم سببًا لتسهيل دخول الجنة؛ فقال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا؛ سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ، وَيَتَدارَسُونَهُ بيْنَهُمْ؛ إِلّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ»[1].
لذلك ينبغي الحرص على نَشْر العلم النافع بين الناس، وتبليغه في بقاع الأرض؛ فتبليغ العِلْم من أهمّ المهمات ومن أفضل الطاعات؛ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»[2].
ولأجل هذا الأجر العظيم والفضل الكبير للتبليغ؛ ورد في الشرع الحثّ على إبلاغ العلم؛ فقال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [سورة التوبة: 122]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «بَلِّغُوا عني ولو آية»[3].
ولأهمية تبليغ العلم ودعوة الناس؛ جَعَل الله الدعوة إلى الإسلام من أفضل الكلمات وأرقى الأعمال؛ فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣].
ويؤكد ابن القيم على الأهمية العظيمة للتبليغ فيقول: «تبليغ سُنَّته إلى الأُمَّة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدوّ؛ لأن تبليغ السهام يَفعله كثيرٌ من الناس، أما تبليغ السُّنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أُمَمهم. جعلنا الله تعالى منهم بمَنّه وكرمه»[4].
وتبليغ الناس العلم النافع إعانة الناس على الطاعة وأداء العبادات وفقًا للمنهج الصحيح وتجنبًا للبدع والمخالفات، وتخلصًا من المشكلات، فلا تنشأ المشكلات إلا بالانحراف عن الشرع علمًا وعملاً، لكن كيف يكون هذا البلاغ؟
البلاغ بحاجة لفِقْه ومنهجية صحيحة، ليكون أداة بناء لا مِعْول هدم، فالحكمة في التبليغ تُجَنِّب العثار وتَحْفظ من الزلل، وتَقِي المتعلمين الفهم الخاطئ للنصوص والتصوُّر المِعْوَج للمسائل.
لذلك جاء هذا المقال لطلاب العلم والدعاة والعلماء؛ ليقفوا على الفقه الصحيح في بلاغ العلم الشرعي؛ لتُؤتِي جهودهم أُكُلها، ويحمدوا صُنْع ما فعلوا.
أولًا: النية الصالحة في التلقي والتبليغ:
العمل بدون نية هباء، ومع الرياء سبب لهلاك لصاحبه وحرمانه من الأجر، فيجب على المتعلمين والمعلمين تحقيق النية الصالحة؛ المُعلِّم ينوي نفع غيره بالتبليغ ابتغاء وجه الله، والمتعلم ينوي التعلم ورفع الجهل عن نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وهذا أصل الأصول؛ فالإخلاص سبيل النجاة، والسير في التعلم والتعليم بدون إخلاص سببٌ للفساد في العمل والعِلْم ومحق للبركة.
ثانيًا: معرفة حال المتعلّم:
ينبغي للمُعلِّم أن يعرف حال الطالب ومستواه في التعلُّم والفهم؛ حتى يعرف ماذا يحتاج من أصول العلم، ويعرف كيف يُوصِّل له المعلومة، فالطلاب يَختلفون في المستويات والمَدارك، فينبغي أن تُخاطَب كلّ فئة وفقًا لمستواها، فلا يُعلّم المبتدئ مسائل المتقدمين، ولا يُعلّم المنتهي مسائل المبتدئين، فلكلّ مقام مقال.
وعدم مراعاة ذلك الأمر يَجُرّ على الطلاب خطأً كبيرًا، ويُوقِعهم في مشكلات كبيرة، فتلقين المبتدئين ما لا يصلح لهم قد يُجرِّؤهم على إطلاق أحكام الكفر والفسق والبدع على الناس، دون أن يكون لديهم آليات ذلك من العلوم التي تُؤهِّلهم لهذا الأمر العظيم.
ثالثًا: لا يتصدَّر للتعليم إلا لمن لديه عِلْم:
منصات التواصل الحديث جعلت للجميع القدرة على التحدُّث في أمور الدين والتصدي للنصح والتعليم، وهذا خطر عظيم، مما فتح الباب على مصرعيه للقول على الله بلا علم، وإضلال الناس وإفتائهم بالشاذ من المسائل والضعيف من الأقوال.
فيجب ألّا يتحدّث في دين الله ولا يتصدر لتعليم الناس إلا مَن لديه عِلْم، ولو كان علمًا قليلاً. والمسألة التي لا يُحسنها المرء عليه أن يتجنَّب الخوض فيها؛ فالتحدُّث في دين الله وتعليم الناس دون تعلُّم مظنة للوقوع في إثم القول على الله بغير علم، ولقد حذَّر الله من ذلك؛ فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٣]؛ فلِعِظَم القول على الله بلا علم قرَنه بالشرك بالله.
وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [النحل: ١١٦]؛ فتحريم الحلال كتحليل الحرام كلاهما مِن القول على الله بلا علم، فلْيحذر المسلم ذلك السبيل الخطر.
رابعًا: التركيز على ما يَنفع المتعلّم لا المعلم:
مِن الخلل أن يُلقي المُعلِّم العِلْم على بعض طلابه، لا لينفعهم، وإنما لينتفع هو بمذاكرة ما يُعلِّم، وقراءة ما لا ينشط لقراءته بمفرده، مع أن أكثر تلك المسائل تفوق أفهام طلابه وعقولهم، وهذا وإن كان فيه نفع للمعلم، إلا أنه خلاف للنُّصح للمسلم المأمور به شرعًا.
فالنصح للمتعلم يقتضي أن يُلقِّنه ما هو بحاجة إليه، ويقوى على فهمه واستيعابه، وقيام المُعلِّم -خلاف ذلك- بتعليمه ما هو فوق فَهْمه وعقله مُضِرّ بالطالب ويَحْمله على النفور من التعلم والعلم.
وفي هذا نوع من الغش للطالب، والشرع نهى عن الإضرار بالمسلم، فإن أراد المعلم مُدارَسَة العلم الذي لديه، فلْيطلب لذلك طلابًا يستوعبون ما لديه من علوم، ولْيضف لنية المذاكرة نية التعليم، فيزداد بذلك خيرًا على خير.
خامسًا: الحرص على تقريب العلم لأفهام طلابه:
ينبغي لكلّ مُعلِّم تعلُّم فنّ تقريب العلوم وتبسيط المسائل، وهذا الفنّ من أهم فنون التعليم، ومن أهمّ ما يُشجّع الطلاب على الأُنس بالعلم والترقّي في مداركه.
ومما يُعين على تقريب العِلْم: تصوُّر المعلّم للمسائل وإتقانها جيدًا قبل شرحها، ومذاكرتها مع نفسه مرارًا، وضرب الأمثلة كثيرًا، وتوضيح الغامض من الكلمات، فينبغي للمعلم كتابة درسه، ثم قراءته ليراه واضحًا قبل بثّه أم لا.
وبعد قيامه بإلقاء الدرس، يحرص على اختبار فَهْمهم، وذلك عَبْر سؤالهم عدة أسئلة؛ حتى يَعرف مدى صحة تصوُّرهم للمسائل، فمن أكبر الخلل الذي يكون لدى الطلاب التصوُّر الخاطئ للمسائل، فليحذر المعلم أن يكون سببًا في ذلك.
سادسًا: حُسن سياسة الطلاب:
وهذا باب مُهِمّ لكلّ مَن تصدَّى لتعليم الناس؛ فينبغي للمعلم معرفة فنّ سياسة الطلاب، فيعرف متى ينشطون فيُقبِل عليهم، ومتى يُعْرِضُون عن التلقي، فيَكُفّ عن التلقين، ولا ينبغي أن يقيسهم على نفسه، فقد تكون لديه همة في الثريا وهِمَم طلابه في الثرى.
ولْيتعلم السبل التي تُجدِّد نشاطهم، وتُشجّعهم على الطلب والترقي في العلم، ولْينصحهم بما يدفع عن نفوسهم السأم والملل، وليعلمهم سبل الترفيه المباحة، حتى يستعينوا بالراحة والترفيه على مواصلة الطلب.
سابعًا: التوسط بين تحصيل العلم والتصدر لتعليمه:
وردت نصوص عن السلف في التحذير من التصدُّر قبل التأهل، وهذه النصوص ينبغي أن تُفهَم على وجهها الصحيح بدون مبالغة، فينبغي أن يَفْهَم طالب العلم هذه المسألة جيدًا، فليحذر من أن يمكث في طلب العلم سنوات من غير أن ينفع الناس ولو بخطبة أو درس أو منشور على منصات التواصل؛ حذرًا من التصدر قبل التأهل، وقد يكون تعليم الناس سببًا لطلب العلم، فيحمله على البحث ومراجعة المسائل ومذاكرتها.
فإذا كان لديه عِلْم يثق بتعلمه له، فلا يتكاسل عن بثّه ونَشْره، ولكن باعتدال، فليعرف قَدْر نفسه، فلا يتصدّر للمسائل التي لا يُتقنها، ولا يغترّ بنفسه فيُقْحِم نفسه مكان العلماء الراسخين، فلا يتصدَّى للمسائل الكبار التي كان يجمع الفاروق لها أهل بدر.
ومع ذلك فلا ينغمس في الدعوة والتعليم حتى يمنعه ذلك من التعلم والسير في دروب التلقّي والمُضيّ في سبل تعلُّم العلم، فالنجاح في العلم لا يكون إلا لمن أعطى العلم كثيرًا من وقته مذاكرةً وبحثًا.
ثامنًا: اغتنام منصات التواصل في الدعوة والتعليم:
منصات التواصل الحديثة، -مثل: الواتساب والفيسبوك ومنصة إكس، واليوتيوب...-، من الغنائم الباردة في الدعوة والتعليم، استخدامها سهل وميسور، ووسيلة تصل للملايين، فصوت الداعية يصل لبقاع الأرض وهو في بيته.
لكن ينبغي الحذر في استخدام تلك الوسائل[5]، فالداعية عندما يتحدَّث لا يدري بجميع مَن يستمع له، فمستوياتهم وأفهامهم وعقولهم وثقافاتهم مختلفة، فينبغي أن يكون حديثه واضحًا ومحددًا دون لَبْس ولا غموض.
ولا يقول كلمة تحتمل معنيين، فليكن الخطاب واضحًا كالشمس يفهمه القاصي والداني والذكي والبليد، وليبعد عن المسائل المشكلة التي لا يفهمها جميع الناس، حتى لا تكون فتنة لبعض الناس.
وإذا أراد الحديث في قضايا محددة لا يستوعبها كلّ أحد فليكن ذلك الحديث في قنوات مغلقة، لا تصل إلا لمن يعرف مستواه في العلم والفهم.
في الختام، إنّ بثّ العِلْم النافع من أعظم الأعمال وأشرف المقامات، وهو وسيلة نجاح وسبيل للنهضة والترقي بالأُمَّة، فينبغي أن نعتني به وفقًا للحكمة وأُسس المنهج الإسلامي كما ذكرنا.
وفَّقنا الله واياكم لمرضاته.

[1] صحيح مسلم (٢٦٩٩).
[2] صحيح مسلم (٢٦٧٤).
[3] صحيح البخاري (٣٤٦١).
[4] أحكام أهل الذمة، طبعة عطاءات العلم، ٢/‏٣٥٥.
[5] ذكرتُ في مقال (حتى تكون منصات وتطبيقات التواصل وسائل دعوية ناجحة) عددًا من الضوابط المهمة؛ فليراجعها مَن شاء في العدد رقم 448 من مجلة البيان الغراء.
___________________________________________
الكاتب: أحمد نصيب علي حسين










ابوالوليد المسلم 25-09-2025 04:34 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
رسالة إلى خطيب

الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فإنَّ الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الأعمال، وكيف لا تكون كذلك وهي رسالة الرسل والأنبياء، وطريق المصلحين والعلماء، لا يقوم الدين إلا بها، ولا ينتشر إلا عن طريقها.

الداعي إلى الله قائل بأحسن قول:
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

ولقد بشر الله الدعاة إلى الله بالفلاح في الدنيا والآخرة:
فقال سبحانه: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:104].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة لعباد الله المؤمنين:
قال سبحانه: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [التوبة: 71].

وحسبك أخي الداعية أنَّ المخلوقات تدعو لك بظهر الغيب:
فقد روى الترمذي بسند جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله وملائكته، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على مُعَلِّمِ الناس الخير ).

أخي - خطيب الجمعة - إن خطبة الجمعة لها أهمية كبرى بين وسائل الدعوة المتاحة للدعاة، فقد يتكاسل الناس عن المحاضرة، وقد يتخلفون عن الدرس، لكنهم لا يتخلفون عن الجمعة إلا الذين لا يصلون أصلًا، لأن المسلمين مأمورون جميعًا بحضور الجمعة. قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة: 9].

ولذا فقد تجد أمامك جمعًا غفيرًا من المسلمين، وربما تجد من بينهم من لا يدخل المسجد إلا يوم الجمعة، وستجد فيهم الصالح والطالح، والـمفرط والمحافظ، والمتواضع والمتكبر، والمتقبل والمعاند.

بل ستجد منهم المتعلم والأمي، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، وغير ذلك من فئات المجتمع، فكيف تخاطب هؤلاء جمعيًا بالأسلوب المناسب، وكيف تستغل هذا الموقف للأخذ بأيدي هؤلاء جمعيًا إلى طريق الله عز وجل.

فبات من الواجب عليك - أخي الخطيب - أن تتعلم فنَّ الدعوة؛ لتقدم تعاليم الإسلام في أبهى منظر، وأجمل حُلة.

أسباب نجاح الخطبة:
1- التكلم باللغة العربية الفصحى:
ينبغي على الخطيب أن يحرص على أن يلقي خطبته بالفصحى قدر جهده، لأنها لغة القرآن، وشعار الإسلام.

والحديث بالفصحى يضفي على خطبتك إشراقًا، وعلى كلماتك نورًا، وفي نفوس مستمعيك قبولًا.

2- التوسط في الإلقاء:
بحيث لا يكون كلامك سريعًا فلا يُفهم، ولا بطيئًا فيمله السامعون، ولتعط لكل موقف ما يلزمه، فإذا احتاج إلى انفعال أسرعت، وإن احتاج إلى إقناع أبطأت.

3- الاقتصاد في الخطبة:
فلا تكون طويلة مملة، ولا قصيرة مخلة، ولا تكون متشعبة الأفكار، كثيرة الشواهد، ركيكة المعاني، بل موجزة متقصده، وتلك هي السنة، فقد قال سيد الخطباء صلى الله عليه وسلم: ( إنَّ قصر خطبة الرجل، وطول صلاته؛ مَئِنَّة من فقهه ) رواه مسلم؛ لأن القصر والإيجاز وإيصال المعنى من أقرب طريق؛ دليل على الفصاحة والعلم والفقه.

4- ربط الخطبة بالواقع:
عليك أن تتحسس مشاكل مدينتك وتعالجها من فوق أعواد منبرك، تعايش الناس وتترك المنبر يجيب على تساؤلاتهم، فحينما تكون خطبتك منتزعة من الواقع تكون أقرب إلى قلوبهم وأوقع في نفوسهم.

5- المخاطبة على قدر الفهم:
فلا تخاطب العوام بمنطق علمي مرتفع، ولا المتعلمين المثقفين بمنطق بدائي ممجوج، بل تخاطب الناس على قدر عقولهم وعلومهم.

6- الترفع عن الغلظة في القول والبذاءة في اللسان:
فلا تحقر مستمعيك، ولا تقلل من شأنهم، ولا ترميهم بالجهل وقلة الفهم، ولا تقذفهم بالفسق والفجور، أو غير ذلك مما لا يليق بمكانة الداعية - حتى لو كانوا كذلك - بل تتلطف بهم في الحديث، وترفق بهم في القول.

قال تعالى مبينًا سبب اجتماع الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران 159].

وقال تعالى مرشدًا للطريقة المثلى في الدعوة: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ [النحل: 125].

7- استثارة همم المدعوين بما يفتح قلوبهم:
كأن تخاطبهم بـ ( يا أخوة الإسلام )، ( يا أيها المؤمنون )، ( يا من آمنتم بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا )، وما شابه ذلك مما يفتح قلوبهم، ويقرب نفوسهم، فإن المحبة مفتاح القلوب.

فهذا إبراهيم عليه السلام يذكِّر أباه برابطة الأبوة أثناء دعوته، فيقول: ﴿ يَاأَبَتِ …. ﴾ [مريم: 42]، ويكررها كثيرًا.

وهذا لقمان يذكَّر ابنه برابطة البنوة ليكون أدعى لقبول الموعظة، فيقول: ﴿ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ….. ﴾ [لقمان: 13].

وهذا هود يذكَّر قومه برابطة القرابة فيقول: ﴿ يَاقَوْمِ …. ﴾ [هود: 50].

وربنا تبارك وتعالى يذكَّر المؤمنين يإيمانهم؛ ليردهم وازع الإيمان إلى الاستجابة والطاعة، فيقول سبحانه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ [البقرة: 153].

8- الابتعاد عن الحركات الكثيرة:
ينبغي أن تتسم بالاتزان أثناء الإلقاء، فلا تتحرك، أو تشير إلا في الموقف الذي يدعو إلى ذلك، وعليك بتجنب الحركات التي تسقط هيبتك من أعين الناس: مثل كثرة بلع الريق، وفتل الأصابع، والسعال المتكلف، وكثرة الالتفات، وما شابهها.

9- حسن المظهر:
ينبغي أن تصعد المنبر بالمظهر اللائق بالداعية، فلا تلبس ثيابًا رثة، أو ممزقة، ولا تلبس ثياب المترفين الرقيقة الشفافة.

فعليك أن تكون نظيف الثياب من غير تبرج، طيب الرائحة من غير إسراف، مهيب المنظر من غير تكلف.

10- التحضير الجيد للخطبة:
لا تصعد المنبر إلا وقد حددت موضوعك، ورتبت أفكارك وانتقيت ألفاظك، حتى لا ترتج عليك العبارات، وتستعجم عليك الكلمات، فلا تتمكن من تبليغ دعوة مولاك.

ولا بأس بأن تستمع إلى أشرطة الخطباء المشهورين، والوعاظ المبرزين لتتدرب على طرق الإلقاء، ووسائل التأثير، وأساليب الإقناع.

11- ألا تصعد المنبر وأنت ممتلئ المعدة:
لأنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وكسلت الأعضاء عن العبادة.

وقال محمد بن واسع: من قل طعامه فهم وأفهم، وصفا ورق، وإنَّ كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد.

وقال الشافعي: الشِّبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.

تلكم هي أسباب نجاح الخطبة، فاحرصوا عليها إخواني الخطباء، وكونوا منها على ذكر دائمًا، وأسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.





ابوالوليد المسلم 10-11-2025 02:18 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
بستان الخطيب - الجزء التاسع (PDF)
د. أمير بن محمد المدري
لا اله الا الله


ابوالوليد المسلم 24-11-2025 05:35 PM

رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد
 
عيوبُ الخطب المنبرية



الأستاذ نواف بن محمد الرشيد


إنَّ المشكلة الأساسية لوجوبِ أمثال هذه العيوب التي سأتطرقُ إليها هي : عدمُ استشعارُ الخطيب أنَّه يقومُ مقامَ رسول اللهِ صلى اللهِ عليه وسلم ، وأنَّهُ يعرضُ عقلهُ على الناس . قيل لعبد الملك : أسرع إليكَ الشيبُ . فقال : كيف لا وأنا أعرض عقلي في كُلِّ جُمعةٍ على الناس !
حتى لا أطيل عليكم سأوحال أن ألخص عيوب ( بعض ) الخطباء على نقاطٍ أولها :

· عدمُ تركيز الخطيب على موضوعٍ مُعينٍ ، فيلم به من جميع أو غالب نواحيه ؛ فتجدُ البعض يبتدأُ خطبته بأهمية صلةِ الأرحام ثمَّ ينتقلُ إلى خطورةِ الغيبة ثمَّ يُعرِّجُ على التكاسل في أداءِ الصلاة جماعة ثمَّ يختم بتحريمِ أكلِ أموالِ الناسِ ظُلماً !! فما أنْ تخرج أيها المستمعُ من الجامع حتى تنسى جميع ما قالهُ الخطييب! لأنَّه لم يُركز على موضوعٍ واحدٍ !
· افتقادُ فنِّ الإلقاء ففنُ الإلقاء لهُ دورٌ مُهمٌ في التأثيرِ على المستمعِ ، وتنبيهِ الغافل ، وتنشيط الخامل ، وشدِ انتباههِ للخطيب ، فتجدُ كثيراً من الخطباءِ يُوَفقون في موضوع خطبتهم وفي صياغتها بأسلوبٍ علميٍ رصينٍ ثمَّ يُميتُ بهجتها ، ويُطفئ نورها ، بإلقائهِ البارد المنخفض ، أو بصراخِهِ الموجع المزعج ! فلا يرفع فوق الحاجة ، ولا يخفضه خفضاً يمنعُ الاستفادة !
· تَرديدُ ألفاظٍ مُعينةٍ مَخصوصةٍ وكأنَّها قرآنٌ مُنزّل ، لا تتمُ الخطبةُ ولا تصح إلاَّ بترديدها ! وغالبُ الترديد والتكرار يكونُ في الخطبةِ الثانية . حدثني من أقطعُ بصدقهِ أنه يُصلي معَ خطيبٍ مُذْ عشر سنوات ، والخطبةُ الثانيةُ هي هي بسجهعا ، وترتيبها ، ودعواتها ، لا يُنقِصُ الخطيب حرفاً ولا يزيدُ !
· عدمُ تصور الخطيب عظم شأن المنبر وأنَّه يقوم مقام رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فتجده وبكلِ تهاونٍ يكتبُ خطبته التي سيلقيها على المئات من المسلمين -الذين حضروا من أجل أن يستمعوا ويستفيدوا ويتعلموا – يكتبها بعدَ فجر يومِ الجمعة ! وإني – والله – لأعجبُ من جرأة أمثالِ هؤلاء على المنابر ، وقبضهم الدفاتر والمحابر !

· تكرارها – أي الألفاظ – في الخطبة الواحدة وهذا واضحٌ ملموس ؛ فتجد بعضهم يكرر الجمل من أجل أن يشتد الانتباه . وتكرارُ الكلام مذموم . قالت جارية ابن السماك له : ما أحسنَ كلامك لولا أنَّك تكثر تكراره ، وتكرار ترداده ! قال : أردده حتى يفهمه من لم يفهمه . قالت : إلى أنْ يفهمه من لم يفهمه قد ملَّه من فهمه !
ويقول الزهري : ( إعادةُ الحديث أشدُّ مِن نَقْل الصّخر )
· الإطالة ؛ فيحسبُ بعضهم أنَّه كُلما كانتِ الخطبة طويلة كان التأثير أبلغ وأقوى ! وما درى أنَّه بفعلهِ هذا قد خالفَ سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( إنَّ طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته ، مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، واقصروا الخطبة ، وإنَّ من البيان لسحراً ). و قد يُنفِّر الناس من الحضور لإدائها ! . يُقال أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزبره ، وقال : ليس تحسن الخطبة بقدر طاقة الخاطب ، ولكن على حسبِ طاقة السامع !
وقيل سمع خالد بن صفوان مِكثاراً يتكلم ، فقال : يا هذا ، ليستِ البلاغةُ بخفةِ اللسان ، وكثرةِ الهذيان ، ولكنها إصابةُ المعنى ، والقصدُ إلى الحجة .
ونصيحتي للخطباء أن يُراعوا هذه ( العيوب ) ويجتنبوها ، فإني وجدتها منتشرة في كثيرٍ من البلدان الإسلامية التي صليتُ فيها الجمعة ، واللهُ وحدهُ المستعان .









الساعة الآن : 01:25 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 204.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 203.04 كيلو بايت... تم توفير 1.40 كيلو بايت...بمعدل (0.68%)]