شرح العقيدة الواسطية (32)
الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
فَصْلٌ: وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ...:
الدين ما يُتَديَّن به، ويُطلق الدين على الحق وعلى الباطل؛ ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 6]. والمراد بالدين هنا ما يُتعبد لله به.
وَالإِيمَانَ:
وهذا من باب عطف الشيء على نفسه؛ لأن الدين الحقَّ هو الإيمان، ولنعلم أن الواو العاطفة أصلها لمطلق الجمع، وقد تُفِيد أحيانًا المغايرة؛ إما المغايرة المعنوية، أو اللفظية بحسب السياق، فقوله: "أن الدين والإيمان" هذا لِمُطلَق الجمع، وهما شيء واحد.
قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. وَأَنَّ الإِيمَانَ: يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ:
هذا مذهب أهل السنة أن الإيمان والدين قول وعمل، والقول يشمل قول القلب، وهو الاعتقاد باعتقاده بالله، وأسمائه وصفاته، وما له، وقول الجوارح بلا إله إلا الله، والتسبيحات، والتهليلات، والذكر، والأذان.
والعمل عملان: عمل القلب بالنية والتوكل والرجاء، وعمل الجوارح بالجهاد والصوم والحج وغيرها.
هذا على جهة الإجمال، أما على جهة التفصيل فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يقوم على خمسة أسُس فهو: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يَزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان. وعلى هذا أجمعَ السلف؛ على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا محل إجماع لا يتخلَّف.
هذا المذهب لأهل السنة في الإيمان له أثره، وهو الذي أشار إليه قبل ذلك: "وهُم في باب أسماء الإيمان والدين وسط بين الوعيديَّة من الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة"، هذه الوسطيَّة تتبيَّن لنا بعد أن عرَفنا أن الإيمان عند أهل السنة قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، يزيد وينقص.
أهل السنة والجماعة في هذا القيد بالإيمان خالفوا الوعيدية، والوعيدية هم الخوارج والمعتزلة، فالإيمان عند الخوارج والمعتزلة - ومسماه وحدُّه عندهم - هو قول واعتقاد وعمل، لكنه لا يَزيد ولا ينقص، فزيادته إيمان، ونقصانه كفر، وتفلسَف متأخِّروهم فقالوا: الزيادة في الصحة، والنقص في الذهاب. وهذا ليس تحته كبيرُ طائل، فهُم وافقوا أهل السنة في بعض مسمَّى الإيمان لكن خالفوهم في حقيقته، فالإيمان عندهم إذا ذهب إما أن يذهب جميعه أو يبقى جميعه.
وسُمُّوا بالوعيدية لأنهم غلَّبوا نصوصَ الوعيد، وأهملوا وردوا وتركوا نصوص الوعد.
وهم على مذهبين، يظهر مذهبهما في الفاسق، في صاحب الذنب:
فجمهور الخوارج أن صاحب الذنب كافرٌ ليس بمؤمن، وهذا اسمه في الدنيا، وحكمه في الآخرة خالد مخلد في النار، وهذا قول جمهور الخوارج من الأزارقة، والنجدات، والصفرية.
وقالت الإباضية: إن صاحب الذنب كافرٌ كفرَ نعمة، لا كفر ملة؛ فالكافر كفر الملة هو الذي خرج من الإسلام، أما كفرُ صاحبِ الذنب فَيعدونه نعمة؛ لئلا يُجْروا عليه أحكام الكافر؛ مِن قتلِه، وعدم الصلاة عليه، وعدمِ توريث أولاده منه، والتفريق بينه وبين زوجته... فسمَّوه كافرًا كفرَ نعمة، وهذا المذهب قريبٌ من مذهب المعتزلة؛ لأن الإباضية تأثروا تأثرًا كبيرًا بالمعتزلة؛ فالمعتزلة يقولون: صاحب الذنب في منزلة بين المنزلتين، ليس بالمؤمن ولا بالكافر، بل في منزلة بينهما، خرج من الإيمان ولم يدخل الكفر. ويسمونه اصطلاحًا عندهم بالفاسق الملِّي، والفاسق الملي هو مَن كان في منزلة بين منزلتين، وهذا اسمه في الدنيا، فلا يسمونه مؤمنًا، ولا ناقصَ الإيمان، ولا يسمونه كافرًا، وفي الآخرة اتفقت الوعيدية كلُّهم - من الخوارج والإباضية والمعتزلة - على أن صاحب الذنب في الآخرة خالد مخلد في النار.
ومن هذا الباب أطلقَ العلماء على المعتزلة لفظًا - وليُنْتَبه له؛ لأن أهل الزمان يطلقون هذا اللفظ على معنى سيِّئ، وأهل العلم يطلقونه على معنى عِلمي - وهو المخنَّث، فالمخنث هو المتشبِّه بالنساء أو الذي يُؤتى فيُفعل فيه الفاحشة، والمخنث عند الفقهاء هو الذي ما تُميِّز هل هو ذكَر أو أنثى، له عضوان: عضو الذكورة، وعضو الأنوثة. فإن كان عنده عضوان ويبول منهما جميعًا يُسمى بالخنثى المشكل، وهذا عند الفقهاء الخنثى المشكل الذي ما تبينَت فيه ذكوريته ولا أنوثته.
والعلماء قالوا: إن المعتزلة مَخانيثُ الخوارج؛ وذلك أنهم في اسمهم في الدنيا خالَفوا الخوارج في الاسم، فالخوارج جعلوه في الدنيا كافرًا، وهم جعَلوه في الدنيا في منزلة بين منزلتين، واتفقوا معهم في حُكمه الأخروي على أنه خالد مخلَّد في النار، ولهذا اختلفوا في الاسم في الدنيا، واتفقوا في النتيجة والحكم في الآخرة، ولهذا سُمُّوا مخانيث الخوارج، وسبب ذلك هو جُبن هذا المذهب (مذهب المعتزلة والإباضية)؛ لأنهم لم يُكَفِّرُوا صاحب الذنب كفر ملة، فيلزمهم أن يُجْروا عليه هذه الأحكام، أحكام الكفر؛ كفر المعيَّن، المشتهرة عند التكفيرين قديمًا وحديثًا.
ولهذا يقول الشيخ:
وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ:
أي: أهل السنة؛ لَمَّا جعلوا الإيمان قولاً باللسان، واعتقادًا بالجنان، وعملاً بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان.
لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ:
وهم مع ذلك لا يُكَفِّرُون أهل القبلة، فلا يَحكمون على مسلمٍ مُصلٍّ، يَستقبل القبلةَ - بالكفر بمُطلَق المعاصي والكبائر، فإنَّ أهل القبلة - وهو وصفٌ للمصلين المسلمين، الذين استقبَلوا القبلة للصلاة، وهذا فيه أصلُ اتفاق السلف على أن الصلاة فيصلٌ بين المسلمين والكافرين - المصلُّون، ومن ليس مصليًا فليس من أهل القبلة؛ لأنه لم يصل، ولم يجعل الفيصل الفارق بينه وبين أهل الكفر وأهل الشرك.
أهل السنة لا يُكفِّرون المسلمين بمطلق المعاصي والكبائر، فإذا أتى الإنسانُ معصيةً أو كبيرة لا يُكَفِّرُونه كما يفعله الخوارج، ولم يقل الشيخ: كما يفعله الوعيدية؛ لأن الوعيدية يختلفون في اسمه في الدنيا؛ فالخوارج جمهورهم يكفِّره، والإباضية يكفِّرون كفر نعمة، والمعتزلة لا يحكمون بكفره ولا يحكمون بإيمانه، وأهل السنة يُسمون صاحب المعاصي عاصيًا، وصاحب الكبيرة فاسقًا.
الأصل أن المعصية هي الكبيرة، والكبيرة هي المعصية، لكن إذا اجتمَعتا جميعًا فيراد بالمعاصي الصغائر، وبالكبائر الكبائر، أهل السنة لا يكفِّرُون مسلمًا بمجرد المعصية، أو بمجرد الكبيرة.
وأما الحد بين الكبيرة والصغيرة فقد ذكر العلماء فيه أقوالاً كثيرة؛ فمِنهم من أبلغها إلى عشرين أو ثلاثين قولاً، أصحها وأضبطها ما حققه شيخ الإسلام ومحققو العلماء أن الكبيرة ما جمعت وصفًا من الأوصاف السبعة:
الأول: كل ذنب رُتِّب عليه حد في الدنيا؛ كالسرقة، والقذف، والقتل.
الثاني: أو رُتِّب عليه وعيد في الآخرة بالنار؛ ((مَا أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ))[1].
الثالث: أو وعيد في الآخرة باللعنة؛ ((لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ))[2] ؛ فالرِّشوة كبيرة؛ لأنه تُوُعِّد عليها باللعنة.
الرابع: أو تُوُعِّد عليه في الآخرة بالغضب؛ كقول الله - في المرأة الملاعَن منها - ﴿ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [النور: 9].
الخامس: أو تُوُعِّد بنفي الإيمان عنه؛ ((وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لا يُؤْمِنُ، وَخَابَ وَخَسِرَ))، قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ((الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)). وسيأتي حديث: ((لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ))[3] ؛ فدل على أن هذه الأفعال كبائر؛ لأنه نفى الإيمان عن صاحبه.
السادس: أو تُبُرِّئَ منه؛ ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))[4] ، وفي لفظ: ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))[5] ، وكِلا اللَّفظَين في الصحيحين، فقوله: ((مَن غش)) يشمل المؤمنَ وغير المؤمن، وقوله: ((من غشنا)) يَخصُّ المسلمين، ومن الأمثلة كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا))[6] ، ((وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ خَطَبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، وَلا زَوْجًا عَلَى زَوْجَتِهِ)).
السابع: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. فالكبيرة ما جمعَت أحدَ هذه الأوصاف السبعة، وما دونها صغيرة.
والسلف يؤكِّدون في هذا الباب على قاعدة مهمة؛ أنه قد يحتفُّ بالكبيرة - من الندمِ وعظيمِ المراقبة، والقلقِ في النفس مِن مؤاخَذة الله عليها - ما يُصَيِّرُ هذه الكبيرةَ عند الله في حقِّ هذا العبد صغيرةً؛ لِمَا احتفَّ بها من هذه الأحوال، وعكسها أنه قد يحتف بالصغيرة من الاستهتار، وعدم المبالاة، وقلة الخشية ما يُصيِّر هذه الصغيرة عند الله في حق العبد كبيرةً، وهذا كثير؛ ومِن الناس مَن إذا مر عند هذه المسألة لا يشيد بها، أو لا يشير إليها، والسلف كانوا يُعنَون به جدًّا.
صاحب الصغيرة يسمى عاصيًا، وصاحب الكبيرة يُسمى فاسقًا، وقد يُطلق هذا على هذا عند الافتراق وعدم الاجتماع، وهذا مذهب أهل السنة.
وفي مُقابلِ الوعيدية طائفة وهم المرجئة، والمرجِئَةُ عدَّهم العلماء - كأبي الحسن الأشعري صاحب (المقالات في مقالات المسلمين) - اثنتي عشرة فرقة، لكن نحن نكتفي منها بأربع طوائفَ شهيرة، وهي:
الطائفة الأولى - وهي أولها ظهورًا -: الوعيديَّة، أول ما ظهر بظهور الخوارج، فقابلَتهم المرجئة في أواخر المائة الأولى، وكان أول أمر الإرجاء إرجاءَ أمر المتقاتِلين من الصحابة رضي الله عنهم في موقعتَي الجمل وصفِّين، ثم من لحقهم بأنهم يُرجون إلى الآخرة، فالله أعلم بهم، فتطور الإرجاء إلى إرجاء أصحاب الذنوب.
والمرجئة أربع طوائف كبار، وأشدُّهم إرجاء وغُلوًّا في الإرجاء - ويُسمون بالمرجئة الخالصة - هم الجهمية، وهذه هي المسألة الثانية التي افترق فيها الجهمية عن المعتزلة، والأصل الثاني الذي تبايَنَ فيه قولُ المعتزلة مع الجهمية: الإيمان، فالجهمية المرجئة المحضة الإيمان عندهم معرفة الله، فمن عرف الله فهو مؤمن، والكفر عندهم الجهل، فقالوا: مَن جهل بالله فهو كافر.
فيلزم على مذهبهم - وهذا مِن أقبح اللوازم - أن يكون فِرعونُ مؤمنًا؛ لأن فرعون يَعرف الله، قال الله في موسى أنه قال في حقه في آخر سورة الإسراء: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ [الإسراء: 102]، وقال في آية النمل: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ [النمل: 14]، بل أقبح من هذا أنه يلزم على ذلك أن يكون إبليس على مذهب الجهمية مؤمنًا؛ لأن إبليس يعرف ربه؛ ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ [الحجر: 39]، وقال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 82]؛ فالكافر عند الجهمية مَن جهل ربَّه، قال شيخ الإسلام: "ولا أحد أجهل بالله مِن جهم؛ فإنه نفى عن الله الأسماء والصفات، والوجود، فلم يجعل لله وجودًا إلا وجودًا مطلقًا، بشرط الإطلاق، وليس له وجود إلا في الذهن". فبالتالي يكون الجهم على مذهبه كافرًا؛ لأنه جهل ربَّه تعالى، وهذا يُسمى بقَلْب الحجة، وقَلب الدليل، وقلب الدَّعوى على المدعي.
الطَّائفة الثانية: الأشاعرة، والإيمان عند الأشاعرة هو التصديق فقط، وربما استدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ [يوسف: 17]، وليس معنى الإيمان في اللُّغة تصديقًا فقط، بل تصديقًا مع إقرار؛ ولهذا فإن معنى الآية: ما أنت - يا يعقوبُ - بمُقِرٍّ لنا على دَعوانا؛ لما جاؤوا على قميص يوسف بالدم، وزعموا أنه دمُ يوسف وأنَّه أكلَه الذئب، وهو دمُ شاة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾، ولكن قلبك ما اطمأنَّ، وما أقرَّ لنا بهذا القول، وهذا الواقع مِن يعقوب عليه السَّلام أنه ما أقرَّ لهم؛ ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18].
يتبع