الموضوع: أحوال النفس
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-05-2009, 08:44 PM
الصورة الرمزية ام ايمن
ام ايمن ام ايمن غير متصل
مشرفة ملتقى السيرة وعلوم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
مكان الإقامة: العراق / الموصل
الجنس :
المشاركات: 2,056
047 أحوال النفس

أحوال النفس




اتفق السالكون إلى الله



على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم



على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الربّ



وأنه لايدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد



إماتتها،



وتركها بمخالفتها،



والظفر بها.



فإن الناس على قسمين:



قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته



، وصار طوعاً لها تحت أوامرها،



وقسمٌ ظفروا بنفوسهم



فقهروها فصارت طوعاً لهم،



منقادة لأوامرهم .



قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر أنفسهم،



فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح،



ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك،



قال الله تعالى :


{فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات: الآية: 37-41) .



والنفس تدعو إلى الطغيان،وإيثار الحياة الدنيا



والربّ يدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى



، والقلبُ بين الداعيين،



يميل إلى هذا الداعى مرة,



وإلى هذا مرة،



وهذا موضع المحنة والإبتلاء،



وقد وصف الله سبحانه النفس فى القرآن بثلاث صفات:



المطمئنة،



واللوامة،



والأمارة بالسوء



فاختلف الناس:



هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها،



أم للعبد ثلاثة أنفس؟.



فإن النفس واحدة باعتبار ذاتها



وثلاثة باعتبار صفاتها.




النفس المطمئنة:



إذا سكنت النفس إلى الله عزّ وجلّ



واطمأنت بذكره،



وأنابت إليه،



واشتاقت إلى لقائه



، وأنست بقربه،



فهى مطمئنة،



وهى التى يقال لها عند الوفاة :



{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة} (الفجر : 27-28) .



قال ابن عباس: "المطمئنة المصدقة"،



وقال قتادة: "هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله،



وصاحبها يطمئن فى باب معرفة أسمائه وصفاته



إلى خبره الذى أخبر عن نفسه



وأخبر به عند رسوله صلى الله عليه وسلم



ثم يطمئن إلى خبره



عما بعد الموت من أمور البرزخ



وما بعده من أحوال القيامة



حتى كأنه يشاهد ذلك كله عياناً،



ثم يطمئن إلى قدر الله عزّ وجلّ



فيسلم له ويرضى



فلا يسخط،



ولا يشكو،



ولا يضطرب إيمانه،



فلا يأسى على ما فاته،



ولا يفرح بما آتاه،



لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه، وقبل أن يخلق،



قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن: من الآية 11) .



قال غير واحد من السلف:



هو العبد تصيبه المصيبة



فيعلم أنا من عند الله فيرضى ويسلم.



وأما طمأنينة الإحسان



فهى الطمأنينة إلى أمره امتثالاً وإخلاصاً ونصحاً،



فلا يقدم على أمره



إرادة



ولا هوى،



ولا تقليداً،



ولا يساكن شبهة تعارض خبره،



ولا شهوة تعارض أمره،



بل إذا مرّت به أنزلها منزلة الوساوس التى لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يجدها،



فهذا كما قال النبى: " صريح الإيمان"[1][1] ،



وكذلك يطمئن من قلق المعصية



، وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها.



فإذا اطمأن من الشكّ إلى اليقين،



ومن الجهل إلى العلم،



ومن الغفلة إلى الذكر،



ومن الخيانة إلى التوبة



ومن الرياء إلى الإخلاص،



ومن الكذب إلى الصدق



، ومن العجز إلى الكيس،



ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات



، ومن التيه إلى التواضع،



فعند ذلك تكون نفسه مطمئنة .



وأصل ذلك كله هى اليقظة،



التى كشفت عن قلبه سِنة الغفلة



وأضاءت له قصور الجنة، فصاح قائلاً:



ألا يا نفس ويحك ساعدينى ... بسعى منك فى ظلم الليالى



لعلك فى القيامة أن تفوزى ... بطيب العيش فى تلك العلالى



فرأى فى ضوء هذه اليقظة ما خلق له،



وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار،



ورأى سرعة انقضاء الدنيا،



وقلة وفائها لبنيها



وقتلها لعشاقها،



وفعلها بهم أنواع المثلات،



فنهض فى ذلك الضوء على ساق عزمه قائلاً :



{يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} (الزمر: من الآية 56).



فاستقبل بقية عمره مستدركاً ما فات



، محيياً ما مات،



مستقبلاً ما تقدم له من العثرات



، منتهزاً فرصة الإمكان التى إن فاتت فاته جميع الخيرات،



ثم يلحظ فى نور تلك اليقظة وفور نعمة ربه عليه،



ويرى أنه آيسٌ من حصرها وإحصائها،



عاجزٌ عن آداء حقها،



ويرى فى تلك اليقظة


عيوب نفسه،



وآفات عمله،



وما تقدم له من الجنايات والإساءات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات



،فتنكسر نفسه وتخشع جوارجه،



ويسير إلى الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه،



ومطالعة جناياته،



وعيوب نفسه



، ويرى أيضاً فى ضوء تلك اليقظة عزة وقته،



وخطره،



وأنه رأس مال سعادته



فيبخل به فيما لا يقربه إلى ربه،



فإن فى إضاعته الخسران والحسرة،



وفى حفظه الربح والسعادة.



فهذه آثار اليقظة وموجباتها،



وهى أول منازل النفس المطمئنة



التى ينشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة.




النفس اللوامة:



قالت طائفة: هى التى لاتثبت على حال واحدة،



فهى كثيرة التقلب والتلون،



فتذكر وتغفل



، وتقبل وتعرض،



وتحب وتبغض،



وتفرح وتحزن



، وترضى وتغضب،



وتطيع وتتقى.



وقالت أخرى: هى نفس المؤمن،



قال الحسن البصرى:



إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائماً يقول:



ما أردت هذا؟



لم فعلت هذا؟



كان هذا أولى من هذا؟



أو نحو هذا الكلام.



وقالت أخرى: اللوم يوم القيامة،



فإن كلّ أحد يلوم نفسه إن كان مسيئاً على إساءته،



وإن كان محسناً على تقصيره .



يقول الإمام ابن القيّم: وهذا كله حق.


واللوامة نوعان:



لوامة ملومة،



ولوامة غير ملومة .



اللوامة الملومة:



هى النفس الجاهلة الظالمة، التى يلومها الله وملائكته.



اللوامة غير الملومة:



وهى التى لاتزال تلوم صاحبها على تقصيره فى طاعة الله - مع بذله جهده –



فهذه غير ملومة



وأشرف النفوس من لامت نفسها فى طاعة الله،



واحتملت ملام اللوام فى مرضاته



، فلا تأخذها فى الله لومة لائم،



فهذه قد تخلصت من لوم الله،



وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها،



ولم تحتمل فى الله ملام اللوام،



فهى التى يلومها الله عز وجلّ .


يتبع
__________________
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]