|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
ما هو اليقين: معناه وحقيقته ومنزلته وكيفية تحصيله عبدالله محمد الحمادي يُعد اليقين من أعلى منازل الإيمان، وهو غاية يسعى إليها كل مؤمن. إنه ليس مجرد علم، بل هو استقرار القلب وطمأنينته، وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد. في هذا المقال، نغوص في معنى اليقين وحقيقته، ونستكشف فضله ومكانته في القرآن والسنة، ونقدم خطوات عملية لتحصيله. ما هو اليقين؟ المعنى اللغوي والاصطلاحي اليقين في اللغة: العلم، وإزاحة الشك، وتحقيق الأمر؛ فاليقين نقيض الشك والعلم نقيض الجهل؛ تقول: عَلِمْتُهُ يقينًا. [مقاييس اللغة (157/6)، لسان العرب (454/15)]. وتُعبِّر العربُ بالظنِّ عن اليقين، وباليقين عن الظنِّ، ومنه قول أبي سدرة الأسدي: تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي ♦♦♦ بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُهْ يقول: تشمَّم الأسدُ ناقتي يظنُّ أنني أفتدي بها منه، وأستحْمي نفسي فأترُكها له، ولا أقتحم المهالِك بمقاتلته. وإنَّما سُمِّي الأسد هَوَّاسًا؛ لأنَّه يهوس الفريسةَ؛ أي: يدقُّها. وقال ابن عاشور: (اليقين) العلم الجازم الذي لا يحتمل الشك، فهو اسم مصدر، والمصدر اليَقَنُ بالتحريك، يقال: يَقِنَ -كفرح- يَيْقَنُ يَقَناً، وهو مصدر قليل الاستعمال، ويقال: أيقن يوقن إيقاناً، وهو الشائع. أما اليقين في معناه الشرعي: فهو سكون الفهم، مع ثبات الحكم. (انظر: مجموع الفتاوى (570/5-571)، ومفردات القرآن للراغب (552)). بحيث لا يحصل لصاحبه تردد وتشكك وريبة وقلق في داخله، وإنما يكون مطمئنًا إلى ما يعتقده. ولهذا قال الجنيد: “اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب.” (الرسالة القشيرية (319/1)). فهو شيء ثابت راسخ فيه، وهو بهذا الاعتبار يكون بمعنى طمأنينة القلب، وثبات واستقرار العلم فيه. قال الراغب: “اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها… وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم”. وقال الكفوي: “اليقين هو أن تعلم الشيء ولا تتخيل خلافه”. (الكليات (67)). وقال التهانوي: “اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق الثابت… فبالاعتقاد يخرج الشك، وبالجازم يخرج الظن، وبالمطابق يخرج الجهل، وبالثابت يخرج اعتقاد المقلد”. وقال الجرجانيُّ في تعريفاته: أنَّ اليقين هو: “طُمأنينة القَلْب، على حقيقة الشيءِ وتحقيق التصديق بالغَيْب، بإزالة كلِّ شكٍّ ورَيْب.” إنَّ عماد (اليقين) هو: العِلْم المستودَع في القلْب، الذي يُعارِض اللَّبْسَ والتشكيك والرَّيب، وهو مِن الإيمان الجازم بمنزلة الرُّوح مِن الجسد. فقد أخرج الطبراني مِن طريق عبد الله بن مسعود قال: (إِنَّ اللَّهَ تَعالى بِقِسْطِه وَعَدْلِه جَعَلَ الرَّوْحَ والْفَرحَ في الرِّضا وَالْيَقِين). منزلة اليقين من الإيمان قال ابن القيم رحمه الله: ومن منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. منزلة اليقين وهو من الإيمان بمنزله الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شَمَّر العاملون، وعمَلُ القومِ إنما كان عليه، وإشاراتهم كلها إليه، وإذا تزوج الصبر باليقين وُلِدَ بينهما حصول الإمامة في الدين. فاليقين هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب والشك، ويوجب طُمأنينة القلب بالإيمان، وسكونه وارتياحه. قال الحسن البصري رحمه الله: ما طُلبت الجنة إلا باليقين، ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا أُديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين. اليقين لابن أبي الدنيا (102). وهذا اليقين ينتظم به أمران: أحدهما: علم القلب. والثاني: عَمَلُ القلب. كما فصل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (329/3). فالعبد قد يعلم علما جازمًا بأمر من الأمور، ومع هذا يكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم؛ فمقتضى العلم: إثماره وتأثيره في العبد تأثيرًا عمليا؛ سواء أكان ذلك في قلبه، أم كان في جوارحه، وربما وجد العلم في قلب المرء، لكن صاحبه لم يصل به إلى مرتبة العمل. فالعبد – مثلا – يَعلَمُ أن الله ربُّ كلِّ شيء ومليكه، وأنه لا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله تعالى، والتوكل عليه، وقد لا يصحبه العمل بذلك؛ لغفلة القلب عن هذا العلم التام الذي يوجب الاستحضار الدائم لمعاني العبودية؛ فصاحب هذه الغفلة يستسلم للخواطر إذا غفَلَ عن الحقائق التي عَلِمَها، فتجد تلك الخواطر طريقها إلى قلبه واعتقاده، وإلى ما يَدِينُ الله به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ذكر الإنسان بقلبه ما أمَرَهُ الله به، واستحضاره لذلك؛ بحيث لا يكون غافلا عنه: أكمل ممن صدق به، وغفل عنه؛ فإن الغفلة تضاد كمال العلم والتصديق، والذكر والاستحضار يُكمل العلم واليقين. مجموع الفتاوى (235/7). فإذا لم يطمئن القلب ويسكن إلى معلومه، ذهَبَتْ معالمه، واندرَسَتْ رسومه، ولا بد أن تسري تلك الطمأنينة فيه في كافة العلوم حتى تنزل فيه في قرار مكين، وتدعوه إلى ما تقتضيه وتستلزمه من العمل، فيعمل عمل عامل يعلم أن الله يراه؛ فيخشى في التقصير عقابه، ويرجو بالتشمير رضاه. فإذا أيقن العبد – مثلاً – بما يكون من أمور الآخرة؛ من البعث والحساب، وتطاير الصحف، والعَرْضِ على الله، والمرور على الصراط، وحسن الجزاء أو سوء العقاب: صار قلبه بمنزلة المشاهد لها كأنه يعاينها. وهذه حقيقة اليقين التي وصف الله تعالى بها أهل الإيمان في قوله تعالى: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]. قال ابن القيم رحمه الله: لا يحصل الإيمان بالآخرة حتى يطمئن القلب إلى ما أخير الله سبحانه به عنها طمأنينته إلى الأمور التي لا يشك فيها ولا يرتاب فهذا هو المؤمن حقا باليوم الآخر. الروح (667/2). يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (ورَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقِّ يَتْلُ مَا أنكُمْ يَنطِقُونَ) [الذاريات: 23]. يُقسم تعالى بنفسه الكريمة: أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه؛ فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، “وكان معاذ رضي الله عنه إذا حدث بالشيء، يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك ها هنا”. أخرجه أبو داود (4294)، تفسير ابن كثير (420/7). وقال بعضهم: اليقين مشاهدة الإيمان بالغيب، كما أن العين تشاهد الحقائق الماثلة أمامها في عالم الشهادة؛ فإن اليقين هو مشاهدة العيب بالقلب، فإذا وصل القلب إلى هذه المرتبة، وصل إلى أعلى المنازل، ونال أسمى الدرجات. قال شيخ الإسلام: اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أَرْضَيْتهم بسخط الله لم تكن موقنا ؛ لا بوعده ولا برِزْقه ؛ فإنه إنما يحملُ الإنسان على ذلك : إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا ، فيترك القيام فيهم بأمر الله ؛ لما يرجوه منهم، وإمَّا ضعفُ تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة؛ فإنك إذا أرضَيْتَ الله ، نصَرَك ورزَقَكَ وكفاك مؤنتهم؛ فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفًا منهم ورجاء لهم ؛ وذلك من ضعف اليقين. مجموع الفتاوى (51/1). أهمية اليقين من الإيمان اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمَّر العاملون، وقد خَصَّ الله سبحانه أهله بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال وهو أصدق القائلين: (وَفِي الْأَرْضِ وَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ) [الذاريات: 20]. وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَيْكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة :4-5]. وأخبر عن أهل النار: أنهم لم يكونوا من أهل اليقين؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) [الجاثية: 32]. فاليقين روح أعمال القلوب، وهو حقيقة الصدِّيقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره. انظر: مدارج السالكين (397/2). وهذه العبارة الموجزة تعبّر عن حقيقة عميقة في مسيرة الإيمان، إذ إن الصبر واليقين ركنان عظيمان من أركان الثبات على الحق. فالعبد قد يبتلى، فيصبر محتسبًا، إلا أن قلبه لا يخلو في تلك اللحظات من الاضطراب، وتعتريه الخواطر والهواجس، وتتنازعه الإرادات المختلفة، فتكون نفسه في صراع داخلي بين الجزع والثبات، ومع ذلك يُلزمها التحمل، ويقهرها على الصبر، ويثبت رغم ما يشعر به من ألم المصيبة وثقلها. لكن مرتبة اليقين أرفع من ذلك بكثير. فصاحب اليقين لا يكتفي بمواجهة البلاء بالصبر فحسب، بل يتجاوز هذه المرحلة إلى حالة من الرضا والاطمئنان، يرى فيها البلاء منحة إلهية لا محنة، ويفرح به كما يفرح غيره بالعافية. يركن قلبه إلى الله، ويهدأ اضطرابه، ويستسلم لقضائه بطمأنينة كاملة. ومن هنا جاء وصف السلف لليقين بأنه “الإيمان كله”، لأنه لا يمثل مجرد تحمّل المصيبة، بل يعكس إيمانًا راسخًا وثقة عميقة بالله، تجعل العبد ثابتًا لا تهزّه النوازل، وراضيًا لا يتزعزع أمام الشدائد. فاليقين ليس مجرد صبر، بل هو سكون القلب ورضاه التام بما قدّر الله، وهو بذلك أعلى مراتب الإيمان وأكملها. قال ابن القيم: اليقين والمحبة هما ركنا الإيمان، وعليهما ينبني، وبهما قوامه، وهما يَمُدَّانِ سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما قوتها ، وجميع منازل السائرين إنما تُفتح بهما، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم. مفتاح دار السعادة (477/1). ولهذا قال أبو بكر الوراق: اليقين ملاك القلب وبه كمال الإيمان، وباليقين عرف الله، وبالعقل عقل عن الله. مدارج السالكين (399/2). وقال الحسن: باليقين طُلِبَتِ الجنَّة، وباليقين هرب من النار، وباليقين أُديَتِ الفرائض، وباليقين صبر على الحق. أخرجه ابن المبارك (558)، والإمام أحمد (282) واللفظ له. وقال البيهقي: اليقين هو سكون القلب عند العمل بما صدق به القلب؛ فالقلب مطمئن ليس فيه تخويف من الشيطان، ولا يؤثر فيه تخوف؛ فالقلب ساكن آمن ليس يخاف من الدنيا قليلاً ولا كثيرًا. الزهد الكبير (1/352). قال ابن القيم: لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه. (مدارج السالكين 2/397). واليقين عده البعض الإيمان كله، قال بعض السلف: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال ابن القيم: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السائرين إنما تُفتتح بالمحبة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم. (مدارج السالكين 2/397). اليقين في القرآن الكريم والسنة النبوية لقد ورد ذكر اليقين في كتاب الله العزيز في مواضع متعددة، مما يدل على عظم منزلته وعلو مرتبته في الإيمان والعمل. فتارة يذكره الله صفةً لأهل الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]. فهؤلاء الذين امتلأت قلوبهم يقينًا بلقاء الله هم أهل الهداية والفلاح. وتارة يبيّن أن المنتفعين بالقرآن هم أهل اليقين، فقال جل شأنه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 20]. وتارة يذكره مرتبةً ربانية ومنزلةً عالية يهبها الله لمن يصطفي من عباده، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75]. وتارة يذكر تصريفه للأمور وتفصيله للآيات لتكون وسيلة لترسيخ اليقين بالغيبيات، فقال سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2]. وتارة يجعله الله أحد السبيلين اللذين تُنال بهما الإمامة في الدين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. قال ابن تيمية رحمه الله: الصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين (مجموع الفتاوى 3/358). وتارة يذم من لا يقين عنده، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82]. وقال أيضًا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]. فمن تأمل هذه المواضع المباركة، أدرك أن اليقين ليس مجرد معرفة، بل هو نور في القلب، وطمأنينة في النفس، وثبات على الحق، وسبب لبلوغ الإمامة في الدين. مكانة اليقين في السنة النبوية ورد عن النبي ﷺ العديد من الأحاديث الصحيحة التي تبين فضل اليقين، ومنزلته، وشرفه العظيم في الإسلام. فقد قال ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه: “اذهب بنعلي هاتين؛ فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة” (رواه البخاري، رقم 31). وفي حديث آخر، لما سمع النبي ﷺ بلالًا ينادي للصلاة، فلما سكت، قال ﷺ: “من قال مثل هذا يقينًا دخل الجنة”. (رواه النسائي 674، وصححه الحاكم 204/1، ووافقه الذهبي) وهذا الحديث يدل بوضوح على أن اليقين هو سبب من أسباب دخول الجنة، وهو مرتبة عظيمة ينبغي للمؤمن أن يسعى لها. كما قال النبي ﷺ في خطبته على المنبر لصحابته: “اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعط بعد اليقين خيرًا من العافية”. (رواه الترمذي 3558 وابن ماجه 3849، وصححه ابن حبان 952) وهذا يبين أن اليقين هو نقطة انطلاق لخير كثير في حياة المسلم، وأنه أساس العافية والطمأنينة النفسية التي ينعم بها المؤمن. والأحاديث التي وردت في فضل اليقين كثيرة، مما يؤكد على عظم مكانته في الإسلام، وضرورة العمل على تحصيله وترسيخه في القلوب. الطريق إلى تحقيق اليقين وَكَيْفِيَّة تَحْصِيلِ أَسْبَابِه فكيف نسمو بأنفسنا إلى اليقين؟! وكيف نُربِّي أنفسنا عليه، ونرتقي بإيماننا إلى هذه المنزلة الشريفة، والمنزلة الرفيعة المنيفة؟ إنها منزلة لا تُنال بالتمني، ولا تُدرَك بالتعلل، وإنما تُبلَغ بالمجاهدة، والصبر، والتربية الإيمانية الصادقة. فهي مرتبة تشرق فيها أنوار المعرفة بالله، وتثبت فيها القلوب على الحق، وتزول معها الوساوس والاضطرابات، فيصبح العبد ساكن القلب، راضيًا بقدر الله، مطمئنًا لحكمه، واثقًا بوعده. وأعظم ذلك: أن نعلم أن التوفيق والمواهب بيد الله؛ فما على العبد إلا أن يلجأ إليه، وأن يصدق في الإقبال عليه، فيسأل ربه قائما وقاعدًا أن يرزقه الإيمان الكامل، واليقين الجازم الراسخ الذي لا يتزعزع. مدارج السالكين (2/302). مع مد الأسباب الموصلة إلى هذه المرتبة؛ ومن هذه الأسباب. الأسباب الخمسة لتحصيل اليقين العلم (كدّرجة أولى لليقين) العلم هو أول درجات اليقين، كما قيل: “العلم يستعملك، واليقين يحملك” (مفتاح دار السعادة 1/478). فبه يندفع العبد إلى العمل، ويبادر إليه، وينفق ماله الذي يحرص عليه، لأنه يتيقن بالجزاء، ويعلم أن من أعلى المراتب والمنازل عند الله هي مرتبة الشهداء. فيبذل نفسه رخيصة في سبيل الله تبارك وتعالى، كما قال الشاعر: لولا المشقة سادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَالُ فالمال حبيب إلى النفوس، والنفوس عزيزة على أصحابها، والعبد يعلم أن بذل المال سبيل إلى التقرب إلى الله، وأن الله يربي الصدقة، ويعلم أيضًا أن الشهيد يُغفر له مع أول قطرة من دمه، ويشفع في سبعين من أهله، إلى غير ذلك من فضائله الجليلة. لكن قد لا يُقدِم العبد على العمل بمقتضى ما علمه فقط؛ لأنه لم يصل إلى مرتبة اليقين بعد. وأما صاحب اليقين، فإنه يُحْمَلُ على ذلك حَمْلا، فلا يقف عند حد العلم، وإنما يحمله يقينه على الامتثال والإقدام والعمل، ولو كان في ذلك إزهاق روحه، وإنفاقُ ماله؛ فإنه مُوقِنٌ بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنَّة، وأنه لا أحد أوفى بعهده من الله، وأنه سيلقى عائدة ذلك في يوم هو أحوج ما يكون إليه؛ ولهذا فإن العلم إذا رسَخَ، أثمر اليقين الذي هو أعظم حياة القلب، وبه طمأنينته وقوته ونشاطه. انظر: مفتاح دار السعادة (1/476). العلم بالله تعالى يشمل العلم بالله معرفة أنه المألوه المعبود وحده لا شريك له، فلا يلتفت القلب إلى أحد من الخلق، ولا يتعلق بهم. ويشمل العلم بربوبيته للكون، وأنه مدبر الأمور، وأن الخلق عبيده، يربيهم كيف شاء، ويصرفهم في أقداره الحكيمة. فإذا علم العبد ذلك، اطمأن إلى رزقه، وإلى أجله، وإلى أقداره، وإلى عطائه ومنعه، فلا يعترض على حكم الله، بل يرضى بقضائه وقدره. وإذا أصابته النعم شكر، وإذا أصابته الضراء صبر، مؤمنًا بربه، وموقنًا بوعده ووعيده. كما يشمل العلم بالله أيضًا معرفة أسمائه وصفاته، فيعلم العبد: أن الله هو العظيم، فلا يعظم في عينه أحدٌ إلا الله وحده. وأن الله هو الجبار القاهر القوي، فلا يهاب المخلوقين، وإنما يعظم الخوف من الله وحده. وأن الله هو الرقيب، فلا تمتد عينه أو يده إلى الحرام، لأن يقينه راسخ بأن الله يراه، وأن ما يخفى على المخلوقين لا يخفى عليه. فتسكن جوارحه، وتلتزم طاعة ربها، فلا يصدر منها شيء ينافي هذا الإيمان وهذا اليقين، الذي استقر في قلبه بمعرفته بأوصاف الله الكاملة. وإذا عرف العبد ربه معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته، ينشرح صدره ويطمئن إلى ربه المتصف بصفات الكمال، ويُحسن الإقبال عليه بكل ما يحتاج إليه من الافتقار والحاجة، فيجد من ربه العطاء، والدفع، والمنع، ويجد كل ما يحتاج إليه. وإذا عرف العبد هذه الحقائق، فإنه يرضى بالله ربا، ويذوق حلاوة الإيمان بهذا الرضا، كما قال النبي ﷺ: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا…” . (رواه مسلم 34) ويؤمن بقضاء الله وقدره، فتتوالى عليه الآلام والمصائب والمكاره وهو ساكن مطمئن، لا يتزعزع، ولا يصدر منه ما يصدر من السفهاء الذين لم يعرفوا الله حق معرفته. العلم بالنفس والخلق يشمل العلم بالنفس علم العبد قدر نفسه وضعفها وعجزها، فلا يركن إلى نفسه أو إلى أحد من المخلوقين؛ لأنه يعلم أنهم مربوبون، وأن الله يدبرهم كما يشاء، وأنه بيده ملكوت كل شيء. ومن ثمّ، لا يمتد طمعه إلى أحد غير الله، ولهذا قال بعض أهل العلم: “إذا أردت اليقين، فكن أفقر الخلق إلى الله” وإذا أردت أن تتحقق باليقين، وأن تعرف ذلك في نفسك، فلا تُمْسِ ولا تُصبح وأحد أحب إليك من الله، ولا أخوف منه عندك، ولا أرجى ولا أقدر على العطاء والمنع منه سبحانه. فلا يتعلق قلبك بشيء سواه؛ محبة وخوفًا، ورجاء وطمعًا، فلا يشغلك حب عن حبه، ولا خوف من أحد عن الخوف منه، ولا رجاء في مِنَّةٍ أو منحة عن الرجاء لوجهه الكريم. وبذلك يرسخ الإيمان في قلبك، ويستقر اليقين فيه. قال شقيق بن إبراهيم البلخي: من أراد أن يعرف معرفته بالله، فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما قلبه أوثق. (أخرجه أبو نعيم في الحلية 8/64) الجهاد الداخلي: دفع الخواطر والشهوات لتحقيق اليقين ذلك أن جهاد الشيطان على مرتبتين: المرتبة الأولى: جهاد الوساوس والشبهات والخواطر التي تهز اليقين فالعبد لا ينجو من هذه الهجمات إلا إذا دافعها بجهاد مستمر، فيبعد نفسه عن قراءة كتب الشبه، أو مجادلة أهلها، ولا يستمع إليهم، ولا يجعل قلبه ساحة مفتوحة لكل من يحاول هدم إيمانه. ويجب عليه أن يحمي نفسه من الانجرار إلى منتديات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي ترسل شباك الشبه لتغوي العقول، فلا يجعل قلبه هدفًا لهذه السهام، وإلا أصابه ما لا ينجو منه. لذا، من أهم الأسباب التي تساعد العبد على بلوغ مرتبة اليقين هي دفع هذه الوساوس والخواطر والقضاء على أسباب الشكوك. وعندما ينجح العبد في دفعها، يشعر بيقين صادق ينبع من داخله. المرتبة الثانية: جهاد الشهوات والرغبات فعندما يجاهد العبد الشيطان في باب الشهوات، يكتسب الصبر، كما ذكر ابن القيم في “زاد المعاد” (3/10). وهذا هو السبب في أن الإمامة في الدين لا تُنال إلا بالصبر واليقين؛ فالصبر يكبح الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات. العزم القوي على طاعة الله والعمل الصالح يجب على العبد أن يخطو خطواته في العمل الصالح — كالتوبة، والصدقة، والصوم — بعزمٍ قوي وإرادة ثابتة، غير معنيّ بحساب المكاسب والخسائر الدنيوية. فالبعض قد يتردد أو يحجم عن فعل الخير لمجرد التفكير في نتائج هذا العمل من حيث الأرباح أو الخسائر، وهذا يؤدّي إلى مضيّ عمره دون أن يتقرّب إلى الله حق التقرب. لذا، يحتاج المؤمن إلى الإقدام والجزم في العمل، فلا ينتظر مقابلًا ماديًا أو دنيويًا، بل يكون هدفه الوحيد رضوان الله تعالى. ولهذا قال بعض أهل العلم: الاهتمام بالعمل يُورِثُ الفكرة، والفكرة تُورِثُ العِبْرة، والعِبْرة تُورِثُ الحَزْم، والحزم يُورِثُ العَزْم، والعزم يُورِثُ اليقين، واليقين يُورِثُ الغنى، والغنى يُورِثُ الحبّ، والحب يورث اللقاء. أخرجه ابن أبي الدنيا في اليقين (12). وهكذا، يرتقي العبد بعزيمته القوية ويثبت على طريقه في الطاعة، متجاوزًا الشكوك والوساوس، ومتمسكًا بيقينه وإيمانه. مفارقة الشهوات والحظوظ النفسانية إذا كان العبد منغمسًا في شهواته، متبعًا نزوات نفسه، كيف له أن يبلغ مرتبة اليقين؟ يقول ابن القيم: أصل التقوى مباينة النهي، وهو مباينة النفس؛ فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين. مدارج السالكين (399/2). فالشهوات تلهي القلب، وتشتت التفكير، وتبعد العبد عن محبة الله والتعلق به. عندما يركن الإنسان إلى شهواته، يصبح قَلْبُه متزعزعًا، لا يستقر على حقيقة الإيمان، فتتسلل إليه الشكوك والوساوس، ويصعب عليه أن يحقق الاطمئنان واليقين الحقيقي. كيف نتحرر من الشهوات لنرتقي إلى اليقين؟ التحكم بالنفس ومجاهدة الشهوات: على العبد أن يضبط رغباته، ويقاوم إغراءاتها، ويعلم أن ما وراء هذه الشهوات هو رضا الله والنجاة في الآخرة. ملازمة الذكر وقراءة القرآن: فإن القلب يصفو وينشرح بالذكر وبتدبر كلام الله، ويبتعد بذلك عن الهوى والخواطر السلبية. ملازمة الصحبة الصالحة: فرفقة الصالحين تساعد على التقوى وتدعم العزم على اجتناب الشهوات. الصبر والمثابرة: إذ أن مقاومة الشهوات تحتاج إلى صبر، وهو باب من أبواب اليقين. فعندما ينجح العبد في هذا التحرر، يصبح قلبه أكثر صفاءً واستقرارًا، ويستطيع أن يصل إلى اليقين الذي يطمئن به قلبه ويقوي إيمانه. التفكر في الأدلة كسبيل لتعزيز اليقين: كلما تواردت البراهين المسموعة والمعقولة والمشاهدة إلى قلب العبد، زاد ذلك من يقينه وإيمانه. وهذا أمر مشاهد وملموس في حياتنا اليومية؛ فهناك الكثير من الأشياء التي نعايشها، والكثير من الأمور التي لم نشاهدها مباشرة، ومع ذلك نتيقن منها.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |