تفسير سورة يونس (الحلقة الثانية عشرة - الأخيرة) الإيمان خير ما بعث به الأنبياء، وخير - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4564 - عددالزوار : 1383279 )           »          5 حاجات خلى بالك منها قبل شراء شفاط المطبخ.. احذر من مستوى الضوضاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          طريقة عمل كيك آيس كريم بخطوات بسيطة.. لو عندك حد عيد ميلاده قرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          كيف تجعل طفلك يتمتع بشخصية مستقلة؟.. 5 خطوات هتساعدك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 57 )           »          وصفات طبيعية لعلاج تقشر اليدين.. خليهم زى الحرير وأنعم كمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          جددى إطلالتك الكلاسيكية بـ 5 رسومات عيون مميزة ومناسبة للصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          إزاى تستغلى الصيف والحر وتخسرى وزنك الزائد؟.. 4 خطوات هتساعدك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          طريقة عمل تشيز كيك الزبادى بالفراولة بدون فرن.. حلوى خفيفة وسريعة التحضير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          5 أطعمة تحافظ على رشاقة جسمك وزيادة كولاجين بشرتك.. خليها فى روتينك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          طريقة عمل سلطة المانجو والأفوكادو مع صوص الليمون.. انتعاش فى لقمة صغيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 22-08-2025, 12:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي تفسير سورة يونس (الحلقة الثانية عشرة - الأخيرة) الإيمان خير ما بعث به الأنبياء، وخير

تفسير السور المئين من كتاب رب العالمين

تفسير سورة يونس (الحلقة الثانية عشرة/ الأخيرة)

الإيمان خير ما بعث به الأنبياء، وخير ما ينفع الأمم

الشيخ عبدالكريم مطيع الحمداوي
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الإيمان خير ما بُعِث به الأنبياء، وخير ما ينفع الأمم.
قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ * قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يونس: 98 - 109].

سورة يونس بأسلوبها الواضح البين، وحبكتها اللغوية الصارمة، ومعانيها القاطعة، وبشاراتها النيرة ونذاراتها الحاسمة المرعبة، تعكس الجو الذي كان يعيشه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المشركين، وهم يتحينون فرص التضييق عليه وعلى دعوته، وإرهاب المؤمنين بما أنزل عليه من الوحي، أو يحاولون التخلص منه بقتله أو حبسه أو إخراجه؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم: 51]، وقوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: 30]، بينما هو مطمئن إلى ربه، بصير بعاقبة أمره ومصائر مكذبيه، لايستفزه اعتراضهم ولا يرهبه عدوانهم، يسير لما رسمه الله له بخطوات متزنة ثابتة، في طريق يعرفها، حدد له ربُّه معالمها، في ثنايا سورة مفصلية هي سورة يونس، أعذر فيها لمن رأى آياته بينة واضحة في السموات والأرض، وآياته محكمة في الوحي، قرآنًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكشف للناس فيها حقيقة الدنيا وحقائق الآخرة، وسبيل أهل الجنة وسبل أهل النار، وحقائق أخرى من العقيدة ينبغي استجلاؤها وتجليتها، والاستمساك بعُراها والعمل بمقتضاها، جعلها لهم فلاحًا ونجاحًا وولاية له سبحانه، في جنة عرضها السموات والأرض، وحذر فيها من موبقات مركسة في الشقاء الدائم والعذاب المقيم، لا يصح معها إيمان ولا يقبل بها عمل، وضرب المثل لكفار قريش في ذلك كله بأقوام سابقين غضب الله عليهم فدمرهم تدميرًا، منهم قوم نوح بقوله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ [يونس: 71]، ومن بعدهم قوم عاد وثمود وغيرهم، وقد فوتوا على أنفسهم فرص الإيمان وقال عنهم تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس: 74]، فما كان لهم من مآل إلا عذاب الاستئصال ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة: 8]، وختم التذكير والتحذير لمشركي قريش بأمتين كانتا أشد عتوًّا على الخلق وضلالًا عن الطريق، وكفرانًا وخسرانًا، فقال عن أولاهما من قوم فرعون وملئه: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [يونس: 75]، وكانت عاقبة أمرهم الاستئصال بالغرق وقول الله تعالى لزعيمهم: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 91]، وقوله عز وجل عن قومه: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان: 29]، وقال عن الأمة الثانية وهي أمة بني إسرائيل، إذ ختم لهم بالشتات والمسخ والسبي واللعن بعد الغلبة والعز والعمران والسلطان: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 93]، وبين أسباب لعنهم واستبدالهم بقوله تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 78، 79]، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:51- 52]، ثم استبدلوا بالنبوَّة الخاتمة، برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى لهم: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 41].


إن من سنن الله في بقاء الكائن الحي واستمراره في الدنيا أن تبقى فيه بذرة الحياة سليمة، أو قابلة للشفاء إن أصابها السقم، كما في حبة القمح إن سلم جنينها نمت وأخرجت سنابلها واستمر عطاؤها، وإن فسد جنينها لم تصلح إلا للطحن والأكل، وفي فطرة الإنسان كذلك، إن كانت سليمة أو قابلة للانصلاح صلح صاحبها أو كان قابلًا للانصلاح، وإن مُسخت تُوُدِّعَ منه، كذلك حياة الأمم، إن عمها الفساد وانسلخت من معالم الرشد كان مصيرها مصير هذه الأمم التي ضرب الله المثل بفسادها البالغ وتدميرها الأبلغ، ولو كانت فيها بذرة رشد وقابلية حياة إيمانية ما استؤصلت، كما استؤصل قوم ثمود بالصيحة؛ إذ قال تعالى: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: 67]، وقوم عاد قبلهم بقوله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة: 6 - 8]، وكما استؤصل قبلهم قوم نوح بالطوفان، وبعدهم فرعون وقومه بالغرق، وقد كانت بذرة الإيمان مفتقدةفي مجتمعاتهم؛ لذلك عقب سبحانه وتعالى على ذلك تعريضًا بكفار قريش وهم يتباطؤون عن الإيمان، ويتواطؤون للتخلص من المؤمنين؛ فحضهم على الإيمان وحذرهم من مصير الأمم قبلهم بقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا [يونس: 98].


وحرف "لولا" في هذه الآية حين يدخل على جملة اسمية كقولنا مثلًا: "لولا عناية الله لهلكنا"، تفيد أن امتناع هلاكنا كان بسبب وجود العناية الإلهية بنا، وحين يدخل على جملة فعلية كما في هذه الآية ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ [يونس: 98]، تكون أداة للتحضيض والحَثّ؛ لذلك قرأها أُبَيٌّ وابن مسعود: "فهلا"؛ أي: حبذا لو..، أو: ألَا ﴿ كانَتْ؛ أي: وجدت من بين تلك القرى التي هلكت ﴿ قَرْيَة آمَنَتْ قرية واحدة أو طائفة واحدة آمنت، كما في قوله تعالى: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 63]؛ أي: هلا نهاهم أحبارهم عن قول الزور وأكل الربا، ولكنهم لم ينهوهم، وقوله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: 77]؛ أي: هلا أخَّرت عنا فريضة القتال في سبيل الله ولكن الله لم يؤخرها عنهم وكتبها عليهم.


والفاء في أول الآية استئنافية، و"لولا" حرف امتناع للوجود؛ أي: حبذا لو وجدت من بين تلك القرى قرية واحدة أو طائفة واحدة آمنت برسولها قبل نزول العذاب، وائتمرت بأمره، وانتهت بنهيه، وبشَّرت ببشارته، وأنذرت بنذارته، ونشرت دعوته، وورثتها للأجيال بعده ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا فنجت بإيمانها هذا من عذاب الاستئصال الذي نزل بها، ولكن لم تكن من بين تلك القرى قرية واحدة آمنت فحق القول عليها واستؤصلت، وهي إشارة واضحة لسنة الله السارية في دعوة أي أمة إلى الإسلام، إن بلغتها دعوته، وائتلفت حولها طائفة تحملها وتدعو بها، وتدافع عنها، وتبلغها، وتورثها لمن بعدها، نمت وأثمرت، وإن افتُقِدت هذه الطائفة أو عجزت أو تولت ذهبت ريحها وانفرط عقدها.


لذلك حضَّ القرآن الكريم المسلمين في كل أرض وفي كل عصر على أن تتفرغ من بينهم جماعة للدعوة إلى الإسلام عقيدةً وشريعةً وخلقًا حميدًا، فقال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122]، وقال عز وجل: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم لَتَدْعُنَّهُ فلا يستجيب لكم))؛ بل وهدد تعالى صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستبدال إن تولوا ولم تبق فيهم مثل هذه الطائفة بقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: 38]، وأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم التهديد بقوله: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب مِنْ شَرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، فسألته زوجته زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث))، وأكَّد القرآن الكريم هذه المعاني كلها بقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 116، 117].


إن القرآن في نزوله المنجَّم كان يسير بسير دعوة الإسلام بين الناس، حذو القُذَّة بالقذة[1]، يرقب الأحداث والأحوال فيوجهها ويرشدها ويقومها، لذلك في الوقت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قومه وهم مستعصون يتآمرون والقرآن ينزل تباعًا، بلاغًا وبشارةً ونذارةً، وهم في غيِّهم سادرون، ويضرب لهم المثل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وقد ذهبت ريحهم، فتح لهم باب الأمل في النجاة بقوم آخرين تابوا ونجوا من العذاب بفضل ما انبعث فيهم من بقية إيمان في طائفة تذكرت ما قال رسولها فندمت وتابت ونجت بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ، وحرف "إلا" في هذا السياق استثناء منقطع بمعنى "لكن"؛ أي: لكن قوم يونس لم يسيروا بسيرة القرى التي هلكت من قبل؛ لأنهم ﴿ لَمَّا آمَنُوا، لما ندموا على ما سبق من عصيانهم رسولهم وتابوا وأسلموا ﴿ كَشَفْنا عَنْهُمْ رفع الله عنهم ﴿ عَذابَ الْخِزْيِ والخزي لغةً: منتهى القهر والإذلال، من خزا الرجلُ الرجلَ يخزوه خزوًا إذا أذلَّه وقهره؛ أي: عفونا عنهم من العذاب المذل القاهر الذي كاد ينزل بهم ﴿ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قبل الممات ﴿ وَمَتَّعْناهُمْ في الدنيا ﴿ إِلى حِينٍ إلى انقضاء أجلهم.


ويونس في هذه الآية الكريمة من أنبياء الله تعالى كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إذ آذاه قومه في مكة وذهب إلى الطائف يدعو أهله للإسلام فآذوه أيضًا ورموه بالحجارة حتى دميت قدماه فجلسَ قريبًا من حائط بستان فرآه صاحبا البستان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وما لقي من السفهاء؛ فتحركت له رحمهما، ودعوا غلامًا لهما نصرانيًّا، يقال له عَدَّاس، فقالا له: خُذْ قِطْفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عَدَّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم قال له: كُلْ، فلما وضع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله، إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((ومنْ أهل أيِّ البلاد أنت يا عدَّاس، وما دينك؟))، فقال: "نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى"؛ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى))، فقال له عدَّاس: "وما يدريك ما يونس بن متَّى؟"، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((ذاك أخي كان نبيًّا وأنا نبي))، فأكبَّ عدَّاس على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يُقبِّل رأسه ويديه وقدميه.


وقوم يونس هم أهل نينوى، قرية من الموصل في العراق، وقد بعث فيهم يونس بن متى عليه السلام، فدعاهم إلى الإيمان بالله عز وجل، فكذبوه وبالغوا في التمرد عليه وإغضابه، فأنذرهم حلول عاجل العذاب بهم ثم ذهب عنهم مغاضبًا، وركب سفينة كما قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 87، 88]، وقال: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: 141 - 144]، فلما رأى قومه بعد غيابه عنهم نذر العذاب رياحًا وعواصفَ تذكروا ما أنذرهم به يونس عليه السلام؛ فندموا وتابوا، فتاب الله عليهم، ورفع عنهم ما كاد يصيبهم، ونجوا من عذاب الخزي الذي حلَّ بغيرهم.


واكتفى السياق القرآني من قصتهم بذكر خاتمتها المقصود الاعتبار بها، وترك تفاصيلها الأخرى لتذكر في سياقات أخرى مناسبة من سور أخرى كسورة هود والأنبياء والقلم وغيرها.


ثم توجَّه الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسليه ويُخفِّف عنه ألم إعراض المشركين بقوله عز وجل: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99]، وقد كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على أن يؤمن جميع قومه في مكة، مع أن الأمر ليس لأحد غير الله، الأمر معلق بمشيئته سبحانه، والقلوب بيده عز وجل يقلبها كيف يشاء، وقد خاطبه في آيات كثيرة بهذه الحقيقة الإيمانية تذكيرًا بها وتأكيدًا عليها رحمةً به وتخفيفًا عنه، كما في قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر: 8]، وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: 56]، وذلك أن الله تعالى قد خلق الجنة وخلق لها أهلها، وخلق النار وخلق لها أهلها، وهو الفعَّال لما يريد، مشيئته المتحكِّمة في الخلق والمحكَّمة بينهم، وما على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يواصل تبليغ رسالته، مطمئنًّا لما يكتبه ربُّه من أمر قومه المترددين بين الكفر والإيمان؛ لأن ذلك بيده عز وجل، لو شاء لجعلهم كلهم بشرًا مؤمنين أو ملائكة يفعلون ما يؤمرون كما قال سبحانه: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف: 60]، ولكن إرادته سبحانه أن يبتليهم بإعطائهم حرية الاختيار، ويضع في طريقهم سبل الخير والشر في الحياة الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3]، ويبتليهم بالشيطان وأوليائه والأهواء وغلوائها، والدنيا وزينتها، تمييزًا للطيب فيهم من الخبيث، ولأهل الجنة من أهل النار، فتتجلَّى عدالة الله ورحمته وعزته فيهم يوم القيامة، ثم عاتبه ربُّه رحمة به، فقال سبحانه: ﴿ أَفَأَنْتَ، يا محمد ﴿ تُكْرِهُ النَّاسَ، بإلحاحك على قومك في مكة ﴿ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كي يتحولوا من الكفر إلى الإيمان، والهمزة في أول قوله تعالى: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ استفهام إنكاري للإكراه على الإيمان مطلقًا، وضمير المخاطب ﴿ أنْتَ مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده ﴿ تُكْرِهُ النَّاسَ من الفعل وضمير الفاعل والمفعول به.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 119.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 117.31 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]