“الجمعة السوداء” أو “الجمعة البيضاء” وثقافة الاستهلاك في الإسلام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         “الوصفة السحرية” التي لا تناسبنا: “أفضل الممارسات”… ولكن لأي مجتمع؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          رحيل الشيخ عبد الوهاب زاهد الحلبي .. مفتي كوريا الجنوبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          رحيل “مسند مكة” .. فضيلة الشيخ عبد الوكيل الهاشمي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          كتاب الداء والدواء لابن القيم الجوزية .. بين دور الإنسان وضعفه في الحياة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 4 )           »          تقسيم المقاصد لدى علماء العصر الحديث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 9 )           »          اختيار الولاة في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          مراجعة نقدية لكتاب “الربيع الأول” قراءة سياسية واستراتيجية في السيرة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 7 )           »          “الجمعة السوداء” أو “الجمعة البيضاء” وثقافة الاستهلاك في الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          أحكام صلاة العاري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الحديث السابع عشر: تحريم التسخّط من أقدار الله مهما كانت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 04:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,675
الدولة : Egypt
افتراضي “الجمعة السوداء” أو “الجمعة البيضاء” وثقافة الاستهلاك في الإسلام

“الجمعة السوداء” أو “الجمعة البيضاء” وثقافة الاستهلاك في الإسلام
إسلام أون لاين

تُعد ظاهرة “الجمعة السوداء” (Black Friday) واحدة من أبرز الأحداث الاقتصادية والاجتماعية التي تعكس ذروة ثقافة الاستهلاك الحديثة. ومع انتقال هذه الظاهرة إلى العالم العربي والإسلامي، تحولت إلى “الجمعة البيضاء” (White Friday)، لتثير تساؤلات عميقة حول أنماط الشراء، والآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها، وكيف ينظر إليها المنظور الإسلامي الذي يضع ضوابط دقيقة للاستهلاك والإنفاق.

ما أن يهل شهر نوفمبر حتى تضيء شاشات الهواتف ولافتات المتاجر بعروض تروج باسم “الجمعة البيضاء”، في تحول لافت لاسم يوحي – ظاهريا – بالبراءة، لكنه في جوهره استيراد لثقافة استهلاكية غربية تنافس – بل تزيف – قدسية يوم الجمعة في التقاليد الإسلامية. فبينما يعد المسلمون يوم الجمعة ليوم روحي يتصل فيه العبد بربه صلاة وذكرا وتأملا، تروج حملات تدفعه إلى التسابق على خصومات قد لا يحتاجها، بل وقد لا يستطيع سد ثمنها لاحقا.
الجمعة السوداء .. لماذا؟ ومن المستفيد؟

تعود جذور “الجمعة السوداء” إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدا إلى مدينة فيلادلفيا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وقد ارتبطت التسمية في البداية بالازدحام المروري والفوضى التي كانت تحدث في اليوم التالي لعيد الشكر، حيث كانت الشرطة تطلق عليها هذا الاسم للدلالة على صعوبة الحركة في ذلك اليوم .
الجمعة السوداء

ومع مرور الوقت، تحول المعنى ليصبح دلالة إيجابية للتجار، حيث يشير إلى اليوم الذي تبدأ فيه حساباتهم بالتحول من اللون الأحمر (الخسارة) إلى اللون الأسود (الربح)، بسبب الإقبال الهائل على الشراء والتخفيضات الكبيرة التي تُعلن عنها المتاجر . وقد تطورت هذه الظاهرة لتصبح تقليدا سنويا عالميا، يمثل بداية موسم التسوق لعيد الميلاد، وتتسابق فيه الشركات والمتاجر لتقديم عروض مغرية تدفع المستهلكين إلى الشراء بكميات تفوق حاجتهم الفعلية.
“الجمعة البيضاء”: هل الاسم بريء؟

لا تخدعنا التسمية. فـ “الجمعة البيضاء” ليست سوى ترجمة حرفية ملوثة لعبارة “Black Friday”، التي نشأت في أمريكا كرمزٍ ليومٍ تبدأ فيه المتاجر تحقيق أرباح سوداء بعد خسائر بيضاء! ومع دخولها العالم العربي تحت لبوس “الجمعة”، حاول البعض تبييضها لغويا، لكن جوهرها الاستهلاكي لم يتغير. فالاسم الإسلامي “الجمعة” يستدعي الوقفة في المساجد، لا التزاحم في المراكز التجارية. و”البياض” الذي يُفترض أن يرمز للنقاء، يُستخدم هنا لتغليف شهوةٍ لا تنتهي: شهوة الشراء بلا ضابط.

وعلى الرغم من تغيير الاسم، فإن الجوهر الاقتصادي للظاهرة ظل كما هو: يوم مخصص للتخفيضات الكبيرة بهدف تحفيز الإنفاق الاستهلاكي. وقد نجحت “الجمعة البيضاء” في غزو الأسواق العربية، لتصبح حدثا سنويا ينتظره المستهلكون، مما يعكس مدى تأثر المجتمعات العربية بثقافة الاستهلاك العالمية.
الجمعة البيضاء
ثقافة الاستهلاك وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية

تُعرف “ثقافة الاستهلاك” بأنها مجموعة من القيم والمعتقدات والممارسات التي تشجع على اقتناء السلع والخدمات بكميات تفوق الحاجة الأساسية، وتجعل من الاستهلاك غاية في حد ذاته ووسيلة للتعبير عن الذات والمكانة الاجتماعية. وقد ترسخت هذه الثقافة بفعل آليات التسويق الحديثة والإعلانات التي تخلق حاجة مصطنعة لدى المستهلك، وتحول الرغبة في الاقتناء إلى ضرورة نفسية واجتماعية. إنها ثقافة اتكالية انهزامية تبتلع الثروة وتفقد الحس بقيمة الأشياء.

ومن التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لثقافة الاستهلاك ما يلي:
التركيز على المظهر وتشويه الصورة الذاتية

تدفع هذه الثقافة الأفراد إلى الانشغال بالمظاهر الخارجية والإنفاق على الكماليات، مما يفقد الحس بقيمة الأشياء ويجعل الإنفاق على المظهر يطغى على الجوهر. بل إنها تضع الإنسان في أزمة مع صورته ومظهره، وتقدم نمطاً مثالياً غير واقعي، مما يؤدي إلى اضطرابات نفسية واجتماعية.
العبء المالي وتفاقم الديون

تؤدي ثقافة الاستهلاك إلى زيادة الديون الشخصية، حيث يلجأ الأفراد إلى الاقتراض لتلبية رغباتهم الاستهلاكية التي لا تنتهي، خاصة في أيام التخفيضات الكبرى. هذا النمط من الإنفاق يهدد الاستقرار المالي للأسر ويحول الأفراد إلى عبيد للرغبة والديون.
الاستنزاف البيئي وتحديات الاستدامة

يؤدي الإنتاج والاستهلاك المفرط إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتفاقم المشكلات البيئية الناتجة عن زيادة النفايات والتلوث. إن دورات الإنتاج السريعة والموجهة نحو الاستهلاك القصير الأجل تتعارض بشكل مباشر مع مبادئ الاستدامة والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة.
تغيير القيم المجتمعية

تتحول القيم المجتمعية من قيم الإنتاج والادخار إلى قيم الاستهلاك والتبذير، مما يؤثر سلباً على التنمية المستدامة. كما أن هذه الثقافة تعزز الفردانية وتضعف التكافل الاجتماعي، حيث يصبح التنافس على المظاهر هو المحرك الأساسي للسلوك.
ثقافة الاستهلاك
الاستهلاك في الإسلام: بين التبذير والاعتدال

لم يُحرّم الإسلام التمتّع بنعم الله، بل قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخرجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ } (الأعراف: 32). لكنه وضع حدًّا فاصلًا بين “التمتّع” و”الإسراف”، فقال: {وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31).

الاستهلاك في الرؤية الإسلامية ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لحياة كريمة ضمن حدود الحاجة والاختيار الواعي. أما ثقافة “اشترِ لأن السعر نزل!” أو “اشترِ قبل أن ينتهي العرض!”، فهي تذكي غريزة التملك دون تفكير، وتضعف قدرة الفرد على التمييز بين “الحاجة” و”الهوى”.

ينظر الإسلام إلى الاستهلاك على أنه أمر فطري وضروري لحياة الإنسان، ولا يمنع منه، بل يحث على الانتفاع بالطيبات التي أحلها الله . وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الاستهلاك هو وظيفة أساسية للحياة، لكنه وضع له ضوابط صارمة لضمان أن يكون الاستهلاك وسيلة لا غاية، وأن يتم في إطار الاعتدال والتوازن.
ضوابط الاستهلاك في الإسلام
تحريم الإسراف

الإسراف هو مجاوزة الحد في استهلاك المباحات، سواء في الكمية أو الكيفية [14]. وقد نهى القرآن الكريم عن الإسراف نهياً صريحاً، فقال تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. والإسراف يشمل كل ما زاد عن الحاجة الضرورية أو الكمالية المعتدلة، وهو ما يهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي.
تحريم التبذير

التبذير أشد من الإسراف، وهو صرف المال في غير وجهه أو فيما لا ينبغي، أو تضييعه وإتلافه [13] [14]. وقد قرن الله تعالى المبذرين بالشياطين، فقال: { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } [الإسراء: 27]. ويشمل التبذير الإنفاق على المحرمات أو صرف المال في ما لا ينفع أو يضر، وهو مجاوزة للحد المعقول [13].
الاعتدال والتوسط

يدعو الإسلام إلى التوسط في الإنفاق، وهو ما يُعرف بـ “الاقتصاد” أو “القصد”، وهو المنهج الذي يتجنب الإسراف والبخل معاً. قال تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. هذا التوازن يضمن تحقيق المنفعة الفردية دون الإضرار بالصالح العام أو استنزاف الموارد.
وظيفية الاستهلاك

يهدف المنهج الإسلامي إلى تحقيق وظيفية الاستهلاك، أي أن يكون الاستهلاك وسيلة لإشباع الحاجات الإنسانية المعتبرة شرعاً، وليس مجرد استجابة للرغبات العابرة أو التقليد الأعمى [9]. فكل استهلاك لا يحقق منفعة حقيقية أو يترتب عليه ضرر، يخرج عن إطار الاعتدال المطلوب.

إن المنهج الإسلامي يضع إطارا أخلاقيا واقتصاديا للاستهلاك، يحمي الفرد والمجتمع من مخاطر الإسراف والتبذير، ويضمن توجيه الموارد نحو ما يحقق التنمية الحقيقية والمستدامة.
نحو استهلاك واعٍ: كيف نصنع “جمعةً بيضاء” حقًّا؟

الجمعة: يوم وعي، لا يوم إغراق اختار الإسلام يوم الجمعة ليكون عيدا أسبوعيا، لا للاحتفال بالعرض والعرض، بل للتذكير بالمعاد، وتجديد الصلة بالخالق، والتأمل في سيرة المصطفى ﷺ. فهو يوم جمع لا بين السلع، بل بين القلوب المؤمنة. يومٌ يُطلب فيه العلم، ويذكر فيه بالآخرة، ويغفر فيه الذنب لمن حضر الجمعة حق حضورها.
الجمعة السوداء والجمعة البيضاء وثقافة الاستهلاك

فكيف نسمح أن يختزل هذا اليوم العظيم إلى “فرصة للشراء”؟ وكيف نرضى أن يستغل اسمه في دفع الناس إلى ما قد يُدخلهم في الحرج المالي، أو تحميلهم ديونا لا يطيقونه؟

في مواجهة موجات الاستهلاك المفرط التي تروج لها ظواهر مثل “الجمعة السوداء”، يقدم المنظور الإسلامي نموذجا للاستهلاك الواعي والمسؤول الذي يمكن أن يكون بديلا حضاريا لثقافة الإسراف.
ترتيب الأولويات وفق المقاصد الشرعية

يجب على المستهلك المسلم أن يرتب أولوياته وفقاً لمقاصد الشريعة، بتقديم الضروريات ( المأكل والمشرب والمسكن) على الحاجيات (تحسين ظروف المعيشة)، والحاجيات على التحسينيات (الكماليات). هذا الترتيب يضمن عدم إهدار المال في ما لا طائل منه.
التخطيط المالي والادخار

التشجيع على الادخار والتخطيط المالي السليم، وتجنب الديون الاستهلاكية غير المبررة. فالادخار ليس مجرد فعل اقتصادي، بل هو قيمة إسلامية تضمن الاستقرار المالي للفرد والأسرة.
الجودة والاستدامة ومكافحة الهدر

التركيز على اقتناء السلع ذات الجودة العالية التي تدوم طويلاً، بدلاً من السلع الرخيصة التي تستهلك بسرعة، مما يقلل من الهدر. كما أن مكافحة الهدر في الطعام والماء والطاقة هي جزء أصيل من تعاليم الإسلام.
الإنفاق الاجتماعي والتكافل

توجيه جزء من الإنفاق نحو الصدقات والزكاة، مما يحول الاستهلاك من فعل فردي أناني إلى قيمة اجتماعية تخدم المجتمع وتساهم في التكافل.

إن “الجمعة السوداء” أو “الجمعة البيضاء” تمثلان فرصة للتجار لزيادة أرباحهم، لكنهما تمثلان أيضاً تحدياً للمستهلك الواعي ليثبت قدرته على التحكم في رغباته، والالتزام بضوابط الاعتدال التي أرساها الإسلام، ليتحول الاستهلاك من عبء إلى وسيلة لتحقيق العمارة والمنفعة. إن تبني ثقافة الاستهلاك الواعي هو خطوة نحو استعادة التوازن الاقتصادي والأخلاقي في المجتمعات المسلمة.
وأخيرا ..

هل نستطيع أن نصنع “جمعة بيضاء” حقا؟ نعم … يمكننا أن نجعل جمعتنا بيضاء بالمعنى الحقيقي:
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 52.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.18 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (3.16%)]