|
الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() تأملات حول اسمه تعالى المؤمن أ.د. وجيه يعقوب السيد بعد أن انقلبت موازين المعركة في غزوة أحدٍ لصالح المشركين، وتحوَّل انتصار المسلمين إلى هزيمة - شعر كثيرٌ منهم بالخوف وعدم الأمان، خاصة حين بعث إليهم أبو سفيان برسالة يُعلِمهم فيها أنه يحشد الحشود ويجمع الأعراب، وأنه مقبل على المدينة في جموع كثيرة لا قِبَلَ لهم بها من أجل استئصالهم، وما إن علم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام بذلك حتى ضجُّوا بالدعاء، ولم يعبؤوا بتهديد أبي سفيان وجموعه الغفيرة، وقالوا في اطمئنان ويقين: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وطلبوا من الله أن يثبت أقدامهم ويمنحهم الأمن والأمان؛ فهو (المؤمن) الذي يلجأ إليه الخائفون فيؤمِّنهم، وهو سبحانه وتعالى وحده الذي يملك أن يمنح الإنسان أسباب الأمن والأمان الحقيقية، وأن يُذهِبَ عنه الخوف والفزع ويحل محلهما الأمن والسكينة. وقد نزل في هذا الموقف قرآن يُتلى إلى يوم الدين؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 173، 174]، وزيادة الإيمان معناها: التَّصديق بوعد الله، واليقين بنصره وتأييده لعباده الصالحين، وإعطاؤهم قوَّةً وجرأةً واستعدادًا لمواجهة الأعداء حتى وهم قلة مستضعفون. ومن جميل ما قيل في هذه الآية: "إنه لمَّا فوَّض المسلمون أمورهم إلى الله، واعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من الجزاء أربعة أشياء: النِّعمة، والفضل، وصرف السُّوء، واتِّباع الرِّضا، فرضَّاهم عنه ورضي عنهم". وقبل ذلك وفي غزوة بدر، جاءت قريش بخيلها وخُيلائها، بأعداد كبيرة تفوق أعداد المسلمين، مجهزين بالسلاح والعتاد، يريدون استئصال المسلمين والقضاء على الإسلام، وعندما شعر المسلمون بالخطر والخوف، أخذوا يستغيثون ربهم ويَدْعُونه خوفًا وطمعًا أن يكشف عنهم الغُمَّة، ويهزم الباطل، ويرد كيد الكافرين، فاستجاب الله لهم وأمدهم بجنود من عنده، وبدَّل خوفهم أمنًا وطمأنينة وسَكِينةً، وانتهت المعركة بنصر كبير للإسلام في أولى معاركه المصيرية ضد الشرك والمشركين؛ قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11]؛ أي: اذكروا فضل الله عليكم، وقارنوا حالكم قبل المعركة وبعدها؛ فقبيل بَدءِ المعركة أخذ الشيطان يوسوس للمسلمين ويخوفهم من قريش، ولم يكن المسلمون وقتها مستعدين للقتال كما تذكر كتب السيرة، فكان من عناية الله بهم وتأييده لهم أن سَلَّطَ عليهم النعاس؛ فجعلهم يستغرقون في نومٍ أزال عنهم تعبهم، وأنساهم قلقهم وخوفهم، وأنزل عليهم المطر؛ ليشربوا ويتزودوا بالماء ولتجمد الأرض تحت أقدامهم، ثم كانت تلك الروحانية التي شملتهم، وأنزلت الطمأنينة والسكينة في قلوبهم، وأشعرتهم بتأييد الله لهم بملائكته أيضًا، وكل هذا تأييد ربانيٌّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصادقين من أصحابه يدخل في نطاق المعجزات، ويمكن أن تتكرر في كل موقف إيماني يقفه المؤمنون الصادقون[1]. وكيف لا يكون الله مصدر الأمن والأمان وقد ورد في الحديث القدسيِّ أن الله تعالى قال: ((لا إله إلا الله حِصْني، فمن دخل حصني فقد أمِن عذابي))؟ [رواه الشِّيرازي]. ومن معاني اسمه تعالى (المؤمن)؛ أي: المصدِّق، فهو المصدق لرسله بتأييدهم بالمعجزات، وهو سبحانه الصَّادق فيما وعد به عباده من الثَّواب، وفيما توعَّد به العصاة والكافرين من العذاب؛ قال الضحاك عن ابن عباس: "أي: أمِن خلقه من أن يظلمهم"، وقال مجاهد: "المؤمن الذي وَحَّدَ نفسه بقوله: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 18]"، وفي لسان العرب: "المؤمن هو الذي يُصَدِّق عباده المسلمين يوم القيامة، إذا سُئلت الأمم عن تبليغ رسلهم فيقولون: ما جاءنا من رسول ولا نذير وُيَكَذِّبون أنبياءهم، ويُؤتى بأمة محمد فيُسْأَلون عن ذلك، فيُصَدِّقون الماضين، فيُصَدِّقُهم الله عز وجل ويُصَدِّقهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقول تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 41، 42]، وقيل: "المؤمن هو الذي يصدُق عباده ما وعدهم". فسبحان الله (المؤمن) الذي أَمِنَ من عذابه وعقابه من لا يستحقه، فلا أحد يخشى ظلمه - حاشا لله - وسبحان الله (المؤمن) الذي منح الأمن والأمان لعباده في الدنيا والآخرة، وسبحان الله (المؤمن) الذي وَحَّدَ نفسه بقوله: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163]، وسبحان الله (المؤمن) الذي يصدق عباده المؤمنين يوم القيامة، ويملأ قلوبهم أمنًا وأمانًا وسكينة ورضًا واطمئنانًا، وسبحان الله (المؤمن) الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. وقد ورد اسمه تعالى (المؤمن) مرَّةً واحدةً في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23]؛ قال ابن عاشور عن نَظْمِ هذه الآية الكريمة على هذا النحو، وسرِّ ورود اسمه تعالى (المؤمن) بعد أسمائه عز وجل الحسنى: الملك القدوس السلام: "وذِكْرُ وصف (المؤمن) عقب الأوصاف التي قبله إتمامٌ للاحتراس ... فأُفيد أولًا نزاهة ذاته بوصف (القدوس)، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف (المؤمن)، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف (السلام)، فهو عز وجل الملك لكنه الملك الحق العدل الذي لا يظلم أحدًا من خلقه"؛ [التحرير والتنوير]. والمؤمن حقًّا هو الذي يؤمن بالله ويصدِّق باليوم الآخر تصديقًا لا ريب فيه؛ وذلك مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام في الحديث المشهور: ((... قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت))؛ [رواه مسلم]. فالإيمان ليس كلمةً تُقال باللِّسان ثم تسقط التكاليف والالتزامات عن كاهل العبد، ولكنه سلوكٌ واعتقاد وعمل وأخلاق رفيعة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقَه))؛ [رواه البخاري]، ومعنى بوائقه: شروره وأذاه، وقال صلى الله عليه وسلم: ((والمؤمن من أمِنَهُ النَّاس على دمائهم وأموالهم))؛ [رواه أحمد]. لقد كان إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته إيمانًا قويًّا راسخًا أقوى من الجبال الراسيات؛ ولذلك فقد غيَّروا وجه التاريخ، فلم يَرهَبوا أحدًا إلا الله، ودعوا إلى الله تعالى بقوَّةٍ ويقين ورفق، وعندما تعاملوا بعضهم مع بعض، أو مع غيرهم من النَّاس - تعاملوا بمودة وحب؛ لأن الإيمان بالله يرقِّق القلب، ويهذِّب الأخلاق، ويمنح الإنسان سكينةً واطمئنانًا؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]؛ ومعنى ﴿ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾: أي: تسكن وتستأنس بتوحيد الله وبذكره، وتذكر فضله وإنعامه وثوابه الذي أعده لعباده المؤمنين. ونحن حين ننظر إلى كثير من سلوكيات الناس هذه الأيام، نتعجب من شيوع الغش والخداع والظلم والكذب والتدليس، وغيرها من الآفات والسلوكيات التي تتنافى مع حقيقة الإيمان بالله، فالمؤمن بحق الذي يخشى ربه ويتَّقيه، لا يكذب ولا يظلم ولا يغش، ولا يأكل إلا من حلال، ويؤدي الأمانة لأهلها، ويحب لأخيه ما يحبُّه لنفسه؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الإيمان بالتَّمنِّي، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل))، وقال أيضًا: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه))، فأين هذا مما نحن فيه هذه الأيام؟! وحظ العبد من هذا الاسم والوصف أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف منه أن يعينه ويساعده في دفع الهلاك عن نفسه في دينه ودنياه، وأحق الناس بهذا الوصف من كان سببًا لأمن الخلق من عذاب الله بالهداية إلى طريق الله عز وجل، والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهذا هو عين ما يقوم به الأنبياء والعلماء والمصلحون. فاللهم كما آمنَّا بك وصدَّقناك، آمِنْ خوفنا يوم القيامة، واملأ قلوبنا بالإيمان، واجعلنا من المؤمنين بك حقًّا، الذين إذا ذُكر الله وَجِلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربِّهم يتوكلون. [1] انظر: التفسير الحديث للأستاذ محمد عزة دروزة
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
أدوات الموضوع | |
انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |