شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري - الصفحة 14 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         قواعد الترجيح عند المفسرين‏ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 765 )           »          دروس وعبر من الهجرة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 55 )           »          شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 135 - عددالزوار : 75988 )           »          حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 259 - عددالزوار : 158057 )           »          إعانة الفقيه بتيسير مسائل ابن قاسم وشروحه وحواشيه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 99 - عددالزوار : 31617 )           »          اشتباه الطريق ومراتب المخالفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          ما دام قلبك مستيقظًا فالبلايا هدايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »          من تعلّق بغير الله عُذِّب به (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          كلٌّ يختار معركته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          (مَن صَلَّى عَلَيَّ واحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عليه عَشْرًا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #131  
قديم 17-11-2025, 05:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 136 )باب: تركُ التَّنفُل في السَّفر


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.

444.عن حَفْصِ بنِ عاصمِ قال: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ في طَرِيقِ مَكَّةَ، قَال: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ وأَقْبَلْنَا معهُ، حتَّى جاءَ رَحْلَهُ وجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نحو حيْثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَال: ما يَصْنَعُ هؤلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قال: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا، لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي! يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ علَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وصَحِبْتُ عُمَرَ فلمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ علَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وقد قال اللَّهُ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21).
الشرح: قال المنذري: باب: تركُ التَّنفُل في السَّفر. والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/479-480) وبوب عليه النووي: باب صلاة المسافرين وقصرها. قوله «صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ في طَرِيقِ مَكَّةَ، قَال: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ وأَقْبَلْنَا معهُ، حتَّى جاءَ رَحْلَهُ» رحله، أي: منزله.
قوله «فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ» أي: حصلت منه.
قوله «يسبحون» أي: يصلون النافلة، والسبحة هي النافلة، والمُسبّح: المتنفل. قوله «لو كنت مسبحاً لأتممتُ» معناهُ: لَو اخْتَرْت التَّنَفُّل، لكانَ إِتْمَام فَرِيضَتِي أَرْبَعا أَحبّ إِلَيَّ، ولَكنِّي لَا أَرى واحدًا منهُما، بل السُّنَّة الْقَصْر وَتَرْك السُّنة الراتبة.
أو: لو كنتُ صليتُ النافلة على خلاف ما جاءت به السُنة، لأتممت الفرض على خلافها! فلو تركت العمل بالسُنة، لكان تركها لإتمام الفرض، أحب وأولى من تركها لإتيان النفل.
قال ابن حجر: إنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر. اهـ.
والذي يتركه المسافر من التطوعات إنما هو: السُنن الرواتب، وهي: راتبة الظهر القبلية والبعدية، وراتبة المغرب، وراتبة العشاء فقط، أما ما عدا ذلك من الرواتب، وسائر النوافل فهي مشروعة للمسافر والمقيم.
ومنها راتبة الفجر، فلا يتركها المسافر.
قوله «يا ابن أَخِي إِنِّي صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» فلم نزد على ركعتين، أي: في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، أو في غير المغرب؛ إذْ لا يصح ذلك في المغرب قطعاً.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع قيام الليل حضراً ولا سفرا، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». زاد المعاد (1/311).
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء:
- ما رأيكم في المسافرين: هل الأفضل لهم أنْ يصلوا التراويح في رمضان أم لا وهم يقصرون الصلاة؟
- فأجابوا: «قيام رمضان سنةٌ، سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا أخذها عنه الصحابة -رضوان الله عليهم- وعملوا بها، واستمرت إلى يومنا هذا، وقد ثبت في الصحيحين: من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر، وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها». وفي البخاري: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح. وثبت في الصحيحين: من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: «ما كان يزيدُ في رمضان ولا غيره، على إحدى عشرة ركعة».
وكان صلى الله عليه وسلم يسافر في رمضان، ومن ذلك سفره صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، فقد خرج صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان في سنة ثمان من الهجرة، قال ابن القيم: «ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع قيام الليل حضراً ولا سفراً، وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة» وبذلك يتبين أنهم إذا صلوها في سفر، فقد أصابوا السُّنة» انتهى. فتاوى اللجنة الدائمة (7/206).
فالحاصل: أن صلاة التراويح تستحب للمسافر كما تستحب للمقيم؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم على قيام الليل في السفر والحضر. نسأل الله -تعالى- أنْ يوفقنا لطاعته ومرضاته. قوله: «وصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ علَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وصَحِبْتُ عُمَرَ...» أي هذا كان هدي الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم.
238- باب: التَّنفُّل بالصلاةِ على الراحلة في السَّفر
445.عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ على الرَّاحِلَةِ، قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عليها، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ.
الشرح: قال المنذري: باب: التنفل بالصلاة على الراحلة في السفر. والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/487). قوله «كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ على الرَّاحِلَةِ» معنى يُسبِّح: أي: يتنفّل، والسُّبحَة: النافلة. كما قال في الحديث السابق: لو كنت مُسبِّحا لأتممت صلاتي. أي: لو كنت متنفلاً. قال ابن حجر: إنما أراد به راتبه المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر. اهـ.
وحديث الباب يدل على ذلك ؛ لأن ابن عمر نقل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، ونُقِل عن ابن عمر أنه كان يفعله. قوله «على ظهر راحلته» أي: في السفر، فإنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على راحلته في المدينة. وهذا يدلّ على أن الصلاة على الراحلة أو السيارة خاص بالسفر.
وقد روى البخاري: عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أن أباه أخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى السُبحة بالليل في السفر، على ظهر راحلته حيث توجَّهت به.
والراحلة من الإبل، لكن يجوز الصلاة على الدواب عموما، سواء كانت من الإبل، كما يُفهم من لفظ «راحلة» أم غيرها، فتجوز على الحمار، فقد روى مسلم: عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو موجِّه إلى خيبر.
ومثله السيارات في عصرنا والطائرات والقطارات. قوله: «حيث كان وجهه» يدلّ على عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة حال السفر، وهو من التسهيل على المسافر، والترغيب له بصلاة النافلة.
وعند مسلم: عن ابن عمر قال: كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم يُصلي وهو مُقبل من مكة إلى المدينة على راحلته؛ حيث كان وجهه. قال: وفيه نزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (البقرة: 115).
ومعلوم قطعا أنه في هذه الحالة لا يُمكن أن يستقبل الكعبة ؛ لأن المدينة تقع في جهة الشمال من مكة.
قوله: «يومئ برأسه» أي: يُشير به في الركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع.
قوله «وكان ابن عمر يفعله» فيه اقتداء الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنْ هذا الفعل ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يُنسخ.
قوله «وفي رواية: كان يُوتر على بعيره» هذا من ذِكر الخاص بعد العام، فالوتر من جنس النافلة، وذلك لئلا يُفهم أنْ الوتر لا يصلح على الدابة.
ولقول ابن عمر هذا قصة:
فقد أخرج مسلم: من طريق سعيد بن يسار أنه قال: كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة. قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم أدركته، فقال لي ابن عمر: أين كنت؟ فقلت له: خشيت الفجر فنـزلت فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقلت: بلى والله. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير. وفي لفظ لمسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. رواه مسلم.
قوله «غير أنه لا يُصلي عليها المكتوبة» أي: لا يُصلي الفريضة على راحلته. وفي رواية البخاري: «إلا الفرائض» والمعنى واحد.
وهذا من الأحكام التي اختلفت فيها الفريضة عن النافلة. فالفريضة يُشترط لها استقبال القبلة، والنافلة لا يُشترط لها ذلك. والقيام في الفريضة رُكن، وليس هو كذلك في النافلة.
وهذا يدلّ على أن النافلة مبنية على التخفيف.
مسألة (1): متى يجوز للمصلي أن يُصلي صلاة الفريضة على الراحلة؟
الجواب: إذا كان في حال خوفٍ في قتال، أو كان لا يستطيع النـزول، أو كانت الأرض طينا لا يُمكنه الصلاة عليها.
قال ابن الملقِّن: وأجمعت الأمة على أنّ المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة ولا على الدابة، إلا في شدة الخوف.
قال: ولو كان في رَكبٍ وخاف لو نـزل للفريضة انقطع عنهم، ولحقه الضرر، صلى عليها - أي على الدابة -. اهـ.
مسألة (2): هل يترخّص المسافر سَفَرَ معصية برخص السفر؟
الجواب: قال جماعة من الفقهاء: لا تُباح هذه الرخص في سفر المعصية، كالإباق، وقطع الطريق، والتجارة في الخمر، والمحرمات نص عليه أحمد، وهذا قول الشافعي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد تنازع المتأخرون فيمن سافر لزيارة قبر نبي، أو نحو ذلك من المشاهد، والمحققون منهم قالوا: إنَّ هذا سفر معصية ولا يقصر الصلاة فيه، كما لا يقصر في سفر المعصية، كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره.
وقالوا مثل ذلك في الأكل من الميتة عند الاضطرار ؛ لأنَّ الله لما ذكر تحريم الميتة قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة:173)، قالوا: والعاصي باغ أو عادٍ ولا يُباح له ذلك.
بل قالوا مثل ذلك في عموم رُخص السفر، حتى في النافلة في السفر على الراحلة.
قال النووي: «شرط جواز التنفل في السفر ماشيا وراكبا: ألا يكون سفر معصية، وكذا جميع رخص السفر شرطها ألا يكون سفر معصية».
وقال في موضع آخر: «مذهبنا جواز القصر في كل سفر ليس معصية، سواء الواجب والطاعة والمباح كسفر التجارة ونحوها، ولا يجوز في سفر معصية، وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وقال أيضا: ولا يجوز الجمع في سفر معصية».
وقال ابن عبد البر: «قال مالك: ومن سافر في معصية لم يَجُـز له أن يقصر».
وقال الشافعي: إن سافر في معصية لم يقصر، ولم يمسح مسح المسافر. وهو قول الطبري.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #132  
قديم 17-11-2025, 05:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 138 ) باب: ما جــــــاءَ فـــي صَــــلاة الخـــــوف


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
447. عن جَابِرٍ بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: غَزَوْنَا مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قومًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ، قَال الْمُشْرِكُون: لو مِلْنَا عليهِم مَيْلَةً لَاقْتَطَعْنَاهُم، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذلك، فَذَكَرَ ذلك لنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قال: وقالوا: إِنَّهُ سَتَأْتِيهِم صلَاةٌ هي أَحبُّ إِليهم مِنْ الْأَوْلَادِ، فلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْرُ، قال: صَفَّنَا صَفَّيْنِ، والْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وبينَ الْقِبْلَةِ، قَال: فَكَبَّرَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكَبَّرْنَا، وركعَ فرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وسَجَدَ معهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي، فَقَامُوا مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكَبَّرْنَا، ورَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وسجد معه الصَّفُّ الْأَوَّلُ، وقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .
قال أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قَال: كَما يُصَلِّي أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلَاءِ.
الشرح: قال المنذري: باب: ما جاء في صلاة الخوف. والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/575) وبوب عليه النووي: باب صلاة الخوف. وحديث جابر رضي الله عنه بالباب، هو في أول مشروعية صلاة الخوف، كما قال العلماء وشراح الحديث. وصلاة الخوف مشروعة بقول الله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} (النساء: 102).
وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم مرات عدة بأصحابه بصفات مختلفة.
قال الإمام أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة، أيهما فعل المرء جاز.
وقال الإمام ابن القيم: «أُصُولُها سِتّ صفات، وأبلغَها بعضُهم أَكْثَر، وهؤلاءِ كلَّما رَأَوْا اخْتلاف الرُّواةُ في قصَّةٍ، جعلوا ذلك وجهًا مِنْ فِعلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وإِنَّما هو مِنْ اخْتِلاف اَلرُّوَاةِ» انتهى.
قال الحافظ: وهذا هو المُعتَمدُ.
وصفة صلاة الخوف تختلف باختلاف شدة الخوف، وباختلاف مكان العدو، هل هو في اتجاه القبلة أم في جهة أخرى؟
وعلى الإمام أن يختار من الصفات ما هو أنسب للحال، ويحقق المصلحة، وهو الاحتياط للصلاة، مع كمال التحفظ والاحتراس من العدو، حتى لا يهجموا على المسلمين بغتة وهم يصلون.
قال الْخَطَّابيُّ: «صلاة الخَوف أَنواع، صلاها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في أَيَّام مُخْتَلفة، وأَشْكَال مُتَبَايِنَة، يَتَحَرَّى فِي كُلّها ما هو أَحْوط للصَّلاةِ، وأَبْلَغ في الْحراسَة» انتهى شرح مسلم للنووي.
وهو داخل في قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16).
- وهذه بعض صفات صلاة الخَوْف:
الصفة الأولى: إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة، فيقسم قائد الجيش جيشه إلى طائفتين، طائفة تصلّي معه، وطائفة أمام العدو، لئلا يهجم على المسلمين، فيصلّي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم، أي: نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم، والإِمام لا يزال قائماً، ثم إذا أتموا لأنفسهم ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الثانية أمام العدو، وجاءت الطائفة الثانية ودخلت مع الإِمام في الركعة الثانية، وفي هذه الحال يطيل الإِمام الركعة الثانية أكثر من الأولى لتدركه الطائفة الثانية، فتدخل الطائفة الثانية مع الإِمام، فيصلّي بهم الركعة التي بقيت، ثم يجلس للتشهد، فإذا جلس للتشهد قامت هذه الطائفة من السجود، وأكملت الركعة التي بقيت وأدركت الإِمام في التشهد، فيسلم بهم.
وهذه الصفة هي المذكورة بالآية، قال الله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا} أي: أتموا الصلاة {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى}، وهي التي أمام العدو {لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُم}.
- وروى البخاري (413) ومسلم (842): عن مالكٍ عن يزِيدَ بنِ رُومَانَ عن صالحِ بنِ خَوَّاتٍ: عَمَّنْ شَهِدَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صلاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ معه، وطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتي معه رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وجاءتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وأَتَمُّوا لأَنْفُسِهم، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ». قال مالكٌ: وذلك أَحْسَنُ ما سَمِعْتُ فِي صَلاةِ الْخَوْفِ.
الصفة الثانية: إذا كان العدو في جهة القبلة: فإن الإِمام يصفهم صفين ويبتدئ بهم الصلاة جميعاً، ويركع بهم جميعاً ويرفع بهم جميعاً، فإذا سجد سجدَ معه الصفُ الأول فقط، ويبقى الصف الثاني قائماً يحرس، فإذا قام قام معه الصف الأول ثم سجد الصف المؤخر، فإذا قاموا تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم صلّى بهم الركعة الثانية، فقام بهم جميعاً وركع بهم جميعاً، فإذا سجد سجد معه الصف المقدم الذي كان في الركعة الأولى هو المؤخر، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر، فإذا جلسوا للتشهد سلم الإِمام بهم جميعاً، وهذه لا يمكن أنْ يكون إلا إذا كان العدو في جهة القبلة.
روى مسلم (840): عن جابرِ بنِ عبد اللَّهِ رضي الله عنهما قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صلاةَ الْخَوْفِ، فصَفَّنَا صَفَّينِ: صَفٌّ خَلْفَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، والْعدُوُّ بَيْنَنَا وبين الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وكَبَّرْنَا جميعا، ثُمَّ ركع ورَكَعْنَا جميعا، ثُمَّ رَفعَ رأْسهُ مِنْ الرُّكوعِ ورَفَعْنَا جميعا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ والصَّفُّ الَذي يَلِيه، وقامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ في نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السُّجُودَ وقامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وقامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ ركَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وركَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ورفَعْنَا جميعاً، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكعَةِ الأُولَى، وقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السُّجُودَ والصَّفُّ الَّذي يلِيه، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ، فسجدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وسَلَّمْنَا جَمِيعًا».
الصفة الثالثة: إذا كان الخوف شديداً، ونشب القتال، وتلاحم الصفان، ولم يمكن للإمام أنْ يصف المسلمين ويصلي بهم جماعة، ففي هذه الحال يصلي كل مسلمٍ بمفرده، وهو يقاتل، ماشيا على قدميه، أو راكباً، مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وينحني عند الركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع.
- كما قال الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} (البقرة:239).
- قال السعدي: «(رِجَالاً) أي: على أرجلكم، (أَوْ رُكْبَاناً) على الخيل والإبل وسائر المركوبات، وفي هذه الحال لا يلزمه الاستقبال - أي: استقبال القبلة - فهذه صلاة المعذور بالخوف» انتهى.
- روى البخاري (943):عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلكَ، فلْيُصَلُّوا قياما ورُكْبَانًا».
- قال الحافظ: «وإِنْ كانوا أَكْثَرَ مِنْ ذلكَ» أَي: إِنْ كان العدُوّ، والمعنى أَنَّ اَلْخَوْفَ إِذا اشْتَدَّ والْعدوّ إِذا كَثُرَ فَخِيفَ مِنْ اَلانْقِسَامِ، لذلك جَازَتْ الصَّلاةُ حِينَئِذٍ بِحَسَبَ الإِمكان، وجازَ تركُ مُراعاة ما لا يُقْدَرُ عليه مِنْ الأَرْكانِ، فَيَنْتَقِلُ عن الْقيامِ إلَى الرُّكُوعِ، وعَنْ اَلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى اَلإِيمَاءِ إِلَى غَيْرِ ذَلِك، وبهذا قال الْجمهور» انتهى.
- وروى الطَّبريّ: عن ابن عُمَر قال: إِذا اخْتَلَطوا - يعني في الْقتال - فإِنَّما هو الذِّكْرُ وإِشارة الرَّأْسِ.
- وروى البخاري (4535): عن نافعٍ أَنَّ عبد اللَّهِ بنَ عُمَرَ -رضي اللَّهُ عنهمَا- ذكر صفة صلاة الخوف، ثم قال: فإِنْ كان خَوْفٌ هو أَشَدَّ مِنْ ذلك، صلَّوا رِجالًا قِيَامًا على أَقْدَامِهِم، أَو رُكْبَانًا مُستَقْبِلي القِبلَةِ أَو غيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. قال نافعٌ: لا أُرى عبدَ اللَّه بنَ عمرَ ذَكرَ ذلك إِلا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .
وقال في المنتقى شرح الموطأ: «فإِنْ كان خَوْفًا هو أَشَدُّ مِنْ ذلك» يعني: خَوفًا لا يُمكنُ معهُ الْمُقَامُ في موضِعٍ، ولا إقَامةَ صَفٍّ، صَلَّوْا رِجالا؛ قِيَامًا علَى أَقْدامهم، وذلك أَنَّ الْخوفَ علَى ضَرْبَيْن: ضَرْبٌ يُمكنُ فيه الاسْتقرارُ وإِقامةُ الصَّفِّ، لكن يُخافُ من ظُهُورِ الْعَدُوِّ بِالاشْتغالِ بِالصَّلاة...
وأَمَّا الضَّرْبُ الثَّاني منْ الْخوفِ: فَهَذَا ألا يُمكنَ معهُ اسْتقرارٌ، ولا إقَامةُ صَفٍّ، مِثْلُ الْمُنْهَزِمِ - أي الهارب من العدو- الْمطْلوبِ، فَهَذَا يُصلّي كَيف أَمكَنَه، رَاجِلا أَو رَاكبًا، قال اللَّهُ تعالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا}» انتهى باختصار. وانظر (الشرح الممتع) للشيخ ابن عثيمين (4/300).
- مسألة: والأصل أنّ صلاة الخوف تكون أربعاً في الحَضر، وثنتين في السفر، فليس للخوف أثر في تقصير الصلاة، وهو قول الجمهور.
وقال ابن عباس: يصلون ركعة واحدة إذا التحم الجيشان، وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد، وإليه ذهب أحمد وغيره.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخّر النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر يوم الأحزاب، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء.
وقال الجمهور: هذا منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة بذلك. انظر حسن التحرير (1/389) وقد أطال البحث فيه الحافظ ابن كثير.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #133  
قديم يوم أمس, 03:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري



شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (139)

بــاب: صــلاة الكســوف

الفرقان

تخصيص الزنا في خطبة الكسوف لأنه من أقبح المعاصي وأعظم الفواحش ومما تحل به النقم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
448.عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالتْ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَامَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وهو دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وهو دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وهو دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنَى علَيه، ثُمَّ قال: «إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وإِنَّهُما لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوتِ أَحدٍ ولَا لحياتِهِ، فإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ، أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَو تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللَّهِ لو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ».
449.عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، في أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
الشرح: قال المنذري: باب: صلاة الكسوف. والحديثان أخرجهما مسلم في كتاب الكسوف (2/618).
وكذا البخاري في صحيحه. والخسوف والكسوف هو: ذهاب نور الشمس والقمر. ويطلق الكسوف على الشمس، والخسوف على القمر.
وصلاة الكسوف أو الكسوفين، نوعٌ من أنواع صلاة النفل بسبب كسوف الشمس وتسمى: (صلاة الكسوف) أو بسبب خسوف القمر وتسمى: (صلاة الخسوف). ويُسميان أيضا: صلاة الكسوفين، وهما: سُنةٌ مؤكدة، وعددها ركعتان، في كل ركعةٍ قيامان وقراءتان طويلان، وركوعان وسجودان طويلان.
ويُسن الخروج لأدائها في جماعة، بلا أذانٍ ولا إقامة، بل يُنادى لها الصلاة جامعة. ويندب بعدها أنْ يخطب الإمام، ويعظ الناس، ويذكرهم بالرجوع إلى الله تعالى. ويستحب مع ذلك أيضا: الإكثار من الذكر والاستغفار والدعاء. ويبدأ وقت الصلاة من تحقق الكسوف، وينتهي بالانجلاء.
قوله: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم » وفي رواية لمسلم: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم » والمعروف أنّ الشمس لم تنكسف على عهده صلى الله عليه وسلم إلاّ مرة واحدة حينما مات إبراهيم عليه السلام، وهذا يُرجِّح عدم تكرر الكسوف في عهده صلى الله عليه وسلم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّما صَلَّى ذلك يومَ ماتَ إبراهِيمُ، ومعلومٌ أَنَّ إبْرَاهيمَ لَم يَمُتْ مَرَّتَيْنِ ! ولا كَانَ لَهُ إبراهيمانِ؟!».
وكان وقوع الكسوف في وقت الضحى، ففي رواية للبخاري: «فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ، فرجعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وقَامَ النَّاسُ ورَاءَهُ».
وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: ومات يوم الثلاثاء لعشر ليال خَلَون مِن شهر ربيع الأول سنة عشر. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: قصة الكسوف متأخرة جداً، فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في العاشرة، كما اتفق عليه أهل الأخبار. اهـ.
قولها: «فَقَامَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصلّي فأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، وهو دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ...» وفيه إطالة القراءة والركوع فيها، وفي رواية ابن عباس: «فقَامَ قياما طوِيلا قَدْرَ نحوِ سُورةِ الْبَقَرةِ».
وهو أيضا: مما يحتج به على تطويل القراءة والركوع، دون السجود.
ورُدّ بأن: الأحاديث الأخرى بيّنت تناسب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في القيام والركوع والسجود.
كما أنه ورد عن عائشة قالت: «ما ركعت ركوعاً قط، ولا سجدت سجوداً قطُ، كان أطول منه». رواه مسلم (2/628).
وهذه الصفة في صلاة الكسوف، هي أصحّ ما ورد في صلاة الكسوف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقدْ تواتَرَ عنه أَنَّهُ صلَّى الْكُسُوفَ يومئِذٍ رُكُوعَيْنِ، في كُلِّ ركعةٍ، كما رَوَى ذلك عنه عائشةُ وابنُ عَبَّاسٍ وابنُ عَمْرو وغيرُهم ؛ فلهذا لَم يَروِ الْبُخاريُّ إلاَّ هذه الأَحاديثَ. اهـ.
قال الباجي: اختلفتْ الرِّوايةُ في صفةِ صلاةِ الْكُسُوفِ، وأَصحُّهَا حديثُ عُروةَ وعَمْرَةَ عن عائشَةَ فرواتُهُ أَئِمَّةٌ: هشامٌ والزُّهريُّ عن عُروةَ وعَمرَةَ عن عائشَةَ، وقَد تابعها علَى ذلك ابنُ عبَّاسٍ، وبه أَخَذَ الْفُقَهاءُ ؛ مالكٌ والثَّوْريُّ والشَّافعيُّ. اهـ.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والنَّاسُ معهُ، فقَامَ قياما طوِيلا قَدْرَ نحوِ سُورةِ الْبَقَرةِ، ثُمَّ ركَعَ رُكُوعًا طَوِيلا، ثُمَّ رَفعَ فَقَامَ قِيَامًا... رواه البخاري ومسلم.
وفي حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمسجدَ فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بنَا ركْعَتَيْنِ حتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ، فقال صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ، فإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فصَلُّوا وادْعُوا حتَّى يُكْشَفَ ما بكم». رواه البخاري.
وهذه الرواية مُختصرة، فذكر فيها أصل الصلاة، وهو ركعتين، دون ذِكر التفصيل الوارد في حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن عبد البر: وقال العراقيون منهم: أبو حنيفة وأصحابه والثوري: صلاة الكسوف كهيئة صلاتنا ركعتان، نحو صلاة الصبح، ثم الدعاء حتى تنجلي، وهو قول إبراهيم النخعي؟! اهـ.
وهذا القول لا دليل عليه؟! لأن الحجة بما ثَبت من فِعل النبي صلى الله عليه وسلم ، مما جاء في أحاديث الباب، وما خالفها فضعيف، وهو إما مُضطرب، وإما شاذّ، كما قال ابن عبد البر وغيره.
وقد تقدّم أنّ الشمس لم تنكسف إلاّ مرّةً واحدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان ذلك كذلك، فالحديث واحد، وإذا اتَّحد مَخْرَج الحديث، ولم تتعدّد القصة، وَجب حمله على رواية واحدة.
ولذلك قال الإمام ابن القيم: «والمنصوصُ عن أحمد أيضاً أخذه بحديث عائشة وحده، في كل ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أنّ صلاة الكسوف أربعُ ركعات، وأربعُ سجدات، في كل ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثرُ الأحاديث على هذا. وهذا اختيارُ أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، وكان يضعف كُلَّ ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوفَ مرة واحدة يومَ مات ابنه إبراهيم. واللّه أعلم. اهـ من زاد المعاد (1/456).
وقال ابن القيم: «وقد رُوي عنه أنه صلاَّها على صفات أخر:
منها: كُلّ ركعة بثلاث ركوعات.
ومنها: كل ركعة بأربع ركوعات.
ومنها: إنها كإحدى صلاة صُلِّيت كل ركعة بركوع واحد؟! ولكن كِبار الأئمة لا يُصححون ذلك، كالإِمام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطًا. اهـ الزاد (1/452 -453).
- والسنة الجَهر بالقراءة فيها: كما ثبت في الأحاديث، كحديث عائشة «...فاقترأ قراءة طويلة..».
وحديث جابر: «.. بدأ فكبّر، ثم قرأ فأطال القراءة، ثم ركع..» في مسلم (2/623).
وحديث عبد الرحمن بن سمرة: «.. فقرأ سُورتين، وركَع ركعتين» مسلم (2/629).
وهو قول أَبي يُوسُف ومحمد بن الْحسن وأَحمد وإِسحق وغيرهم.
قال ابن عبد البر: ومن حُجة من قال بالجهر في صلاة الكسوف إجماع العلماء على أن كل صلاة سنتها أن تُصَلَّى في جماعة من الصلوات المسنونات فَسُنَّتها الجهر، كالعيدين والاستسقاء، قالوا: فكذلك الكسوف.
وقال الطبري: إنْ شاء جَهَر في صلاة الكسوف، وإنْ شاء أسَرّ.
وقال النووي: قوله: «جَهَرَ في صَلاة الْخُسُوف» هذا عند أَصْحابنَا وَالْجمهور مَحْمول علَى كُسُوف الْقَمر ؛ لأَنَّ مَذْهَبنَا ومذْهب مالك وأَبِي حنيفة واللَّيْث بن سعد وجُمْهُور الْفُقَهَاء: أَنَّهُ يُسِرّ فِي كُسُوف الشَّمْس، ويجهر في خُسُوف الْقَمر.
- والسنة إطالة صلاة الكسوف: حتى ينجلي الكسوف أو يُقارِب على الانجلاء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا وادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ ما بِكُمْ». رواه البخاري.
وإذا فرغ الناس مِن الصلاة، والكسوف لا يزال باقيا، فإنه يُشرَع لهم ذِكر الله تعالى، والدعاء والاستغفار، لقوله عليه الصلاة والسلام: «فإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا، وادْعُوا اللَّهَ وصَلُّوا».
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً، فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ».
- واخْتُلِف في خطبة الكسوف: وهل هي خُطبة أم موعظة؟
والصحيح أن خُطبة الكسوف ليست خُطبة راتبة، مثل خُطبة الجمعة والعيد، وإنما هي موعظةٌ وتذكير، يُذكّر الناس بِما نَزَل بهم، ويُخوّفوهم بالله تعالى، ويُحثّهم على ترك المعاصي واجتنابها.
قال ابن عبد البر: واختلفوا أيضا في الخُطبة بعد صلاة الكسوف، فقال الشافعي ومن اتبعه وهو قول إسحاق والطبري: يخطب بعد الصلاة في الكسوف كالعيدين والاستسقاء. اهـ.
وقال ابن القيم: «ثم انصرف، فخطب بهم خُطبة بليغة». اهـ. ثم ذَكَر ما حَفِظ منها، كما في (زاد المعاد).
والخطبة قد تُطلَق على الموعظة، كما في خُطبة الكسوف، وقد قال فيها ابن عباس رضي الله عنهما: لم يَخطب كَخُطْبَتِكم هذه. رواه الإمام أحمد، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن.
ومن الدليل على أنها موعظة ويُخوّف بها الناس ما جاء في الأحاديث، ومنها ما في حديث عائشة رضي الله عنها هذا، وفيه: «يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واَللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً».
وفي حديث أسماء رضي الله عنها: فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: ما قَال؟ قَالَتْ: قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ في مَقَامِي هذا، حتَّى الْجنَّةَ والنَّارَ، وإِنَّهُ قد أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في الْقُبُورِ، مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ من فِتْنَةِ الْمسيحِ الدَّجَّالِ». رواه البخاري ومسلم.
قال الباجي: وعظَهُم في أَوَّلِ كَلامِهِ، ثُمَّ أَمَرهُم بأَعمالِ الْبِرِّ، ونَهَاهُمْ عن الْمَعَاصِي، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ. وَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنَّا يَغَارُ عَلَى أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ أَمَتُهُ، ولَيس أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى، فَيَجِبُ أَنْ يُجَدِّدَ عُقُوبَتَهُ فِي مُوَاقَعَةِ الزِّنَا. اهـ.
- وفي الحديث: مشروعية الصدقة لِدفع البلاء، وكذا رفعه، سواء كان عامًّا أو خاصًّا، لقوله: «وَتَصَدَّقُوا».
والدّفع يكون لِما يُتوقّع وقوعه، والرفْع لِمَا يكون قد وَقَع، وكلاهما مشروع اتِّقاؤه بالصدقات وأعمال الخيرات.
فائدة (1): سبب ذِكْر الزنا في خُطبة الكسوف. قال الزرقاني: قال الطيبي وغيره: وَجْه اتصال هذا بقوله: «فاذكروا الله..» مِن جهة أنهم لَمَّا أُمِرُوا باستدفاع البلاء بالذِّكْر والصلاة والصدقة، نَاسَب رَدعهم عن المعاصي التي هي مِن أسباب جَلْب البلاء، وخَصّ منه الزنا لأنه أعظمها في ذلك.
وقيل: لَمَّا كانت هذه المعصية مِن أقبح المعاصي، وأشدّها تأثيرا في إثارة النفوس، وغَلبة الغضب ناسَب ذلك تخويفهم في هذا المقام مِن مُؤاخذة ربّ العِزَّة. اهـ.
ولعل تخصيص الزنا لأنه مِن أعظم الفواحش؛ ولأنه مما تَحِلّ به الـنِّقَم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما ظَهر في قوم الربا والزنا، إلاَّ أحَلُّوا بأنفسهم عِقاب الله عز وجل». رواه الإمام أحمد وأبو يعلى وإسناده جيد. وقال الألباني: حسن.
فائدة (2): مَن فاته الركوع الأول، فإنه لا يعتدّ بالركوع الثاني من الركعة الأولى، بل يقضي إذا سلّم الإمام ركعة كاملة، بِرُكوعين وسجودين.
وكذلك مَن فاته الركوع الأول من الركعة الثانية، فإنه يقضي مثل صلاة إمامه، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». رواه البخاري ومسلم.
ولِعُموم قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». رواه البخاري ومسلم.
فائدة (3): إذا فاتت صلاة الكسوف فلا تُقضَى؛ لأنه قد فات سببها، وقد مرّ قول النبي صلى الله عليه وسلم : «... فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ»؛ فجعل الانجلاء غاية للصلاة، ولأن الصلاة إنما سُنّت رغبةً إلى الله في ردِّها، فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #134  
قديم يوم أمس, 03:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 140)

باب: في صلاة الاستسقاء

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
450-عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرادَ أَنْ يَدْعُوَ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وحَوَّلَ رِدَاءَهُ. وفي رواية: «فجعل إلى الناس ظَهره يَدعو الله, واستقبلَ القبلة, وحوَّل رداءه ثم صلى ركعتين».
الشرح : قال المنذري: باب: في صلاة الاستسقاء. وفيه حديثان: الحديث الأول: أخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء ( 2/611 ).
وأخرجه البخاري في الاستسقاء (2/497) باب تحويل الرداء في الاستسقاء.
صلاة الاستسقاء من سُنن النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه بالأحاديث الصحيحة الكثيرة.
وقد أجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز عن المصر إلى الصحراء، والدعاء إلى الله تعالى، والتضرع إليه في نزول المطر، سُنةٌ سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء، فالجمهور على أنّ ذلك من سُنة الخروج إلى الاستسقاء، إلا أبا حنيفة فإنه قال: ليس من سنته الصلاة! وسبب الخلاف: أنه ورد في بعض الأحاديث أنه استسقى وصلى، وفي بعضها لم يذكر فيها صلاة .
أما الأحاديث التي ذكر فيها الاستسقاء، وليس فيها ذكر للصلاة، فمنها : حديث أنس بن مالك أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وتقطعت السُبل، فادعُ الله؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمُطرنا من الجمعة إلى الجمعة». أخرجه مسلم. ومنها: حديث عبد الله بن زيد المازني، وفيه أنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى، وحول رداءه حين استقبل القبلة» ولم يذكر فيه صلاة.
قال الحافظ ابن حجر: والحُجة للجمهور: أنه لم يذكر شيئا، فليس هو بحجة على مَن ذكره، والذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك، ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحةِ الاستسقاء؛ إذْ قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قد استسقى على المنبر، لا أنها ليست من سنته! كما ذهب إليه أبو حنيفة!
قال: وأجمع القائلون بأن الصلاة من سنته، على أن الخطبة أيضا من سنته، لورود ذلك في الأثر، قال ابن المنذر: ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء وخطب .
قال الحافظ: واختلفوا هل هي قبل الصلاة أو بعدها؟ لاختلاف الآثار في ذلك، فرأى قومٌ أنها بعد الصلاة، قياسا على العيدين ، وبه قال الشافعي ومالك، وقال الليث بن سعد: الخطبة قبل الصلاة، قال ابن المنذر: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أنه استسقى فخطب قبل الصلاة»، وروي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك وبه نأخذ، قال القاضي: وقد خرج ذلك أبو داود من طرق ، ومن ذكر الخطبة فإنما ذكرها في علمي قبل الصلاة.
قال: واتفقوا على أنّ القراءة فيها جهر اهـ. كما في رواية عباد بن تميم عن عمه: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين جَهر فيها بالقراءة ...» أخرجه البخاري ومسلم.
واختلفوا: هل يُكبر فيها كما يكبر في العيدين؟ فذهب مالك إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في سائر الصلوات، وذهب الشافعي إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في العيدين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قياسها على صلاة العيدين، وقد احتج الشافعي لمذهبه في ذلك: بما روي عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين كما يصلي في العيدين». انتهى.
قال كاتبه: وكونه صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين كما يصلي في العيدين، ليس صريحا في وجود التكبيرات في الصلاة، والله أعلم .
قال الحافظ: واتفقوا على أنّ من سنتها: أنْ يستقبل الإمام القبلة واقفاً ويدعو، ويحول رداءه رافعاً يديه على ما جاء في الآثار، واختلفوا في كيفية ذلك، ومتى يفعل ذلك؟
فأما كيفية ذلك: فالجمهور على أنه يَجعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه اهـ.
كما في رواية عباد بن تميم عن عمه: «ورفع يديه حذو منكبيه، وحول رداءه». وفي رواية: «وقلب رداءه»، قال سفيان: فأخبرني المسعودي عن أبي بكر – أحد رواة الحديث – قال: جعل اليمين على الشمال. البخاري (2/515).
وجاء في حديث عبد الله بن زيد هاهنا: «أنه صلى الله عليه وسلم اسْتقبَلَ الْقِبْلَةَ وحَوَّلَ رِداءَهُ».
وفي لفظ: «خرج إلى المصلى يستسقي، فاستقبلَ القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين».
قال الحافظ: وأما متى يفعل الإمام ذلك، فإن مالكاً والشافعي قالا: يفعل ذلك عند الفراغ من الخطبة، وقال أبو يوسف: يحول رداءه إذا مضى صدر من الخطبة، وروي ذلك أيضا عن مالك. وكلهم يقول : إنه إذا حول الإمام رداءه قائماً حول الناس أرديتهم جلوسا، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به»، إلا محمد بن الحسن والليث بن سعد وبعض أصحاب مالك؛ فإن الناس عندهم لا يحولون أرديتهم بتحويل الإمام؛ لأنه لم ينقل ذلك في صلاته صلى الله عليه وسلم بهم انتهى.
وعامة أهل العلم: على أن الخروج لها يكون في وقت الخروج إلى صلاة العيدين؛ لما روى أبو داود: عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَج إلى الاستسقاء، حين بدا حَاجبُ الشمس».
الحديث الثاني :
451-عن أَنَسٌ -رضي الله عنه- قال: أَصَابَنَا ونَحْنُ مَعَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَطَرٌ، قال: فَحَسَرَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ ، فقُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قال: «لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى».
الشرح: الحديث الثاني في الباب : أَنَسٌ رضي الله عنه ، وقد أخرجه مسلم في الاستسقاء (2/615) باب الدعاء في الاستسقاء. قوله: «فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر» معنى «حسر» كشف، أي كشف بعض بدنه.
ومعنى: «حديث عهد بربه»، أي: بتكوين ربّه إياه، معناه أنّ المطر رحمة، وهي قريبةُ العهد بخلق الله -تعالى- لها، فيتبرك بها.
وهذه من السنن المهجورة.
قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر، واستدلوا بهذا.
وفيه: أنّ المفضول إذا رأى من الفاضل شيئا لا يعرفه، أنْ يسأله عنه ليعلمه فيعمل به، ويعلمه غيره انتهى.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #135  
قديم يوم أمس, 03:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 141 )

أحكام فقهية يحتاجها المسافر- الصلاة في السفر

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين،، وبعـــــد: فمن يسر الإسلام وسماحته، ما شرع الله جل وعلا لعباده من أحكام تتناسب مع أحوالهم المتنوعة من قوةٍ وضعف، وصحة ومرض، وحضر وسفر، وغير ذلك قال عز وجل:
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185).
وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} (المائدة: 6).
وقال: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286).

والصلاة في السفر مخففةٌ عنها في الحضر؛ لما يترتب على التنقل والسفر في البر والبحر، وفي أيامنا في الجو، من المشقة والتعب والنصب، فالصلاة في السفر تكون قصراً، فتقصر الرباعية إلى ركعتين، وتبقى الفجر كما هي، وصلاة المغرب كذلك؛ لأنها وتر النهار.
وقصر الصلاة لا يكون إلا في السفر، قال الله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ } (النساء: 101).
فلا يجوز للمريض ولا غيره قصر الصلاة.
ولا يصح للمسافر أن يصلي أربعاً، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أولُ ما فُرضت الصلاةُ ركعتين، فأقرت صلاةُ السفر، وأُتمت صلاةُ الحضر» متفق عليه.
فالحديث يدل على أنَّ الركعتين هما فرض السفر، كما هو الراجح من أقوال أهل العلم.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «إني صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب: 21). رواه مسلم (689).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم الرباعية في السفر ألبتة. انتهى.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن صلاة السفر: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» رواه مسلم (686).
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى يُحب أن تُؤْتى رُخصُه، كما يكره أن تُؤتى معصيتُه». رواه أحمد وصححه ابـن خزيمـة وابن حبان. وفي رواية: «كما يُحب أن تُؤتى عزائمه».
متى تقصر الصلاة؟
اختلف الفقهاء - رحمهم الله - في تحديد مسافة السفر المبيحة للقصر والفطر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين بسير الإبل والأقدام، أو هو ستة عشر فرسخاً (أي ما يقارب: 80 كيلو متر)، كما بين مكة وعسفان، ومكة وجدة. وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام. وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين، وهذا قولٌ قوي، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعرفة ومزدلفة ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحداً منهم بإتمام الصلاة (1).
فشيخ الإسلام يقوي قول من قال: أنه لا حدّ للسفر الذي الذي يباح القصر والفطر فيه، بل كل ما كان سفراً في عرف الناس جاز القصر فيه والفطر؛ لأنه لم يأت تحديد للمسافة في الكتاب أو السنة (2).
وإذا شك المسلم هل هو مقيم أو مسافر؟ فالأصل الإقامة حتى يتحقق السفر، فالاحتياط أن يتم الصلاة.
متى يبدأ المسافر القصر؟
إذا شَرَع في السفر وفارق بلده، لقول الله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ } (النساء: 101).
فلا يكون مسافراً حتى يَضرب في الأرض، ولا يكون ضارباً حتى يخرج؛ ولذا فإنه لا يقصر الصلاة حتى يفارق بلده، ولو كان عازماً على السفر، أو شرع فيه ولكنه لم يفارق بلده بعد.
قال ابن قدامة رحمه الله: ليس لمن نوى السفر القصر، حتى يخرج من بيوت قريته ويجعلها وراء ظهره، وبهذا قال مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور، وحكي ذلك عن جماعة من التابعين. ثم ذكر حديث أنس رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين. متفق عليه (3).
مـــدة القصــــر
الراجح من أقوال أهل العلم: أنَّ السفر لم يُحد بزمانٍ كما لم يُحد بمسافة ومكان، ولا حدّ الإقامة بزمن لا ثلاثة أيام ولا أربعة أيام ولا أكثر، فما دام المسافر مسافراً فإنه يقصر الصلاة، ولو أقام شهوراً، ما لم يعزم الإقامة في البلد للعمل أو الدراسة أو الاستيطان، لعموم قوله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ } (النساء: 101). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام مدداً مختلفة وقصر فيها كلها، فأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، وأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة، فعن أنس رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً»(4).
مسائل تتعلق بقصر الصلاة
1) إذا ائتم مسافرٌ بمقيم - أي صلى خلفَ إمام مقيم - لزمه إتمام الصلاة معه، لقوله صلى الله عليه وسلم : «إنما جُعِل الإمامُ ليُؤتم به، فلا تختلفوا عليه» متفق عليه.
وعن موسى بن سلمة أنه قال: «كنا مع ابن عباس رضي الله عنهما بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (5).
فاذا أدرك مع الإمام المقيم ركعة فما فوقها، لزمه أن يتم الصلاة، وإن أدرك التشهد صلى قصراً.
2) مَنْ نَسي صلاة سفر فذكرها في الحضر: الصحيح أنْ عليه أنْ يُصليها قصراً، لأنها صلاة سفر، والقضاء يَحكي الأداء، وقال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ نَسيَ صلاةً أو نام عنها، فكفارتُها أنْ يُصليها إذا ذكرها» متفق عليه.
أي: أن يصليها كما هي (6).
ومَن ذَكر صلاة حضرٍ في سفر، فإنه يُصلي أربعاً، للحديث السابق، ولأن هذه الصلاة وجبت عليه تامة، فوجب عليه قضاؤها تامة. قال الإمام أحمد رحمه الله: «أما المقيم إذا ذَكرها في السفر، فذاك بالإجماع يصلي أربعاً»(7).
3) ينبغي أن يعلم أنه لا تلازم بين قصر الصلاة والجمع خلافاً لما يظنه كثير من الناس، فيجوز قصر الصلاة دون الجمع، كما أنه يجوز الجمع في الحضر للعذر كالمطر والمرض والخوف ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على الجمع.
4) من السُّنة للمسافر ترك السنن الرواتب في السفر، ما عدا سُنة الفجر والوتر، لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدع الرواتب في السفر، ما عدا ما ذكر(8).
أما النوافل المطلقة فهي مشروعة في السفر والحضر، كسنة الوضوء، وصلاة الضحى، والتهجد في الليل، وهكذا الصلوات ذوات الأسباب كتحية المسجد، وركعتي الطواف، وصلاة الاستخارة والتوبة، ونحوها.
جمع الصلاة في السفر
الجمع: هو ضم إحدى الصلاتين للأخرى، والجمع يكون بين الظهر والعصر، كما يكون بين المغرب والعشاء، ولا يكون من غيرهما، وهو سُنة إذا دَعَت الحاجة إليه، كالسفر والمرض والمطر والبرد الشديد ونحو ذلك.
ومر معنا في الحديث: «إنَّ الله يُحب أن تُؤْتى رُخصُه، كما يحب أن تُؤتى عزائمه» والجمع رخصة، ويكون تقديماً وتأخيراً.
الأحاديث في ذلك
1) عن أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أنْ تزيغ الشمس (أي: قبل دخول وقت الظهر) أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإنْ زاغت الشمس قبل أنْ يرتحل، صلى الظهر ثم ركب (9).
2) وعنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا عَجِل عليه السّفر، يُؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويوخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق»(10).
3) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء»(11).
ففي هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع قبل أنْ يسافر بين الظهر والعصر، إذا حضرت صلاة الظهر، أما إذا سافر قبل الظهر، أخَّرها حتى يجمع بينها وبين صلاة العصر.
وهذا فيما إذا كان سائراً، أما إذا كان نازلاً (في الفندق أو الشقة مثلاً)، فهل يجوز له الجمع؟
الجواب: الصحيح الذي دلَّت عليه السنة أنه يجوز الجمع للمسافر إذا كان نازلاً عند الحاجة لذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء وهو نازل بتبوك (12).
وكذا جمع في عرفة وهو نازل، بل جمع في المدينة وهو مقيم، وهذا أبلغ، لرفع الحرج عن الأمة.
فالصحيح أنَّ الجمع للمسافر النازل يُستحب إذا دعت إليه الحاجة، وإذا لم تدع إليه الحاجة فلا يستحب، والأفضل تركه عند عدم الحاجة (13). فلا تلازم إذاً بين القصر والجمع، خلافاً لما هو شائع عند كثير من الناس!
ولا يشترط على الصحيح الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، لا في وقت الأولى، ولا في وقت الثانية؛ لأنه ليس لذلك حدّ في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة، فإن الجمع هو: ضم وقت الصلاة الثانية للأولى؛ بحيث يكون الوقتان وقتاً واحداً، وليس الجمع هو ضم الفعل (14).
وإن كان الأفضل هو المولاة بينهما، ما لم يشق.
لا يشترط للجمع ولا للقصر نية، وهو مذهب الجمهور: مالك وأبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد(15).
فالنية ليست شرطاً عند الإحرام بالأولى، وإنما يشترط سبب الجمع عند الجمع، فللمصلي الجمع ولو أراد ذلك بعد سلامه من الأولى، إذا وُجد السبب.
وعليه تدل الأحاديث الواردة، فإنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ أصحابه بالجمع أو القصر قبل الإحرام، ولهذا لما سلم من ركعتين ناسياً قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «لم أنس، ولم تقصر» قال: بلى قد نسيت... الحديث في الصحيحين.
الصلاة في السفينة والقطار والطائرة:
يجوز لراكب السفينة أنْ يصلي الفرض فيها.
ويصلي فيها على قدر استطاعته، فإن تمكن من الصلاة قائماً وجب عليه القيام، وإلا صلى جالساً، وإن تمكن من الركوع ركع، وإلا أومأ برأسه، وإن تمكن من السجود سجد، وإلا أومأ برأسه، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه إذا أومأ بهما.
فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في السفينة، فقال: كيف أصلي في السفينة؟ قال: «صلَّ فيها قائماً، إلا أن تخاف الغرق» (16).
واستدل الفقهاء أيضاً: بحديث عمران بن حصين أنه قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» (17).
وإذا أمكن الصلاة في السفينة جماعة وجبت، وإلا صلوا فرادى.
وهكذا الصلاة في القطار والطائرة، إذا أمكنه أنْ يصلي قائماً وإلا صلى قاعداً على كرسيه، وإذا قدر على استقبال القبلة لزمه ذلك، وإلا صلى حسب استطاعته، ما لم يعلم أنه يدرك الفرض على الأرض، فإنه يؤخرها حتى يصليها أو يجمعها، ما لم يخش فوات الوقت بطلوع الشمس قبل صلاة الصبح مثلاً.
يجوز للمسافر أن يتطوع على الراحلة (ومثله السفينة والطائرة) حيث توجهت به، وفي ذلك أحاديث، منها:
1) عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي سُبحته حيثما توجهت به (18).
والسُّبحة: هي النافلة.
2) وعنه أيضاً قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه. قال: وفيه نزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } (البقرة: 115) (19). وفي رواية: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
وفيه ترغيب للمسافر بالإكثار من التطوع، بصحة تطوعه ولو كان لغير القبلة.
الهوامش
1) مجموع الفتاوى (211/25-212).
2) وهو اختيار العلامة الألباني رحمه الله، انظر الصحيحة (163) والشيخ ابن عثيمين رحمه الله، انظر الشرح الممتع (497/4-498).
3) المغني (111/3-112) ونقل عن ابن المنذر الإجماع عليه.
قلت: فما يفعله كثير من الناس جهلاً، من قصر الصلاة في المطار قبل أنْ يسافر، خطأ بيّن مخالف للآية السابقة، والأحاديث الصحيحة.
4) رواه البخاري (561/2) وغيره.
وانظر مجموع الفتاوى لشيخ الاسلام (18/24،137،140) وفتح الباري للحافظ ابن حجر (561/2) والشرح الممتع (526/4-539).
5) أثر صحيح، وله حكم الرفع، رواه أحمد (216/1) وصححه العلامة أحمد شاكر رحمه الله
6) وهو اختيار الشافعي في القديم كما في المجموع (366/4) للنووي، وقال به بعض أصحاب الإمام أحمد كما في الانصاف (323/2) واختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كما في الشرح الممتع (518/4-519).
7) المغني (141/3) من رواية الأثرم عنه، وحكى الإجماع أيضاً: ابن المنذر، كما في الانصاف (323/2).
8) رواه مسلم في صلاة المسافرين (479/1-480) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وحكاه أيضاً عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وقال: وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الاحزاب: 21).
9) رواه مسلم في صلاة المسافرين (489/1).
10) المصدر السابق.
11) رواه البخاري في تقصير الصلاة (579/2).
12) حديث صحيح أخرجه مسلم (490/1) وأحمد (237/5) وأبو داود (1206) والنسائي (285/1) وغيرهم من حديث معاذ رضي الله عنه .
13) رأي جواز الجمع بالسفر سواء كان سائراً أم لا، وسواء كان سيره مجداً أم لا، كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب... وقيل: يختص بمن له عذر حكي عن الأوزاعي... انظر الفتح (580/2)، والشرح الممتع (549/4-553).
14) وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (54/24).
وقد ثبت في صحيح مسلم (934/2) عن أسامة: أنه صلى الله عليه وسلم جاء المزدلفة... فأقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئاً.
15) انظر مجموع الفتاوى (20/24-21) وهو اختياره أيضاً.
16) حديث صحيح، رواه البزار (683 - زوائد) والدارقطني (394/1- 395) والحاكم (275/1) وفي بعض طرقه ضعف.
17) رواه البخاري في تقصير الصلاة (41/2).
18) رواه البخاري (575/2) ومسلم (486/1) واللفظ له.
19) رواه مسلم (486/1). وفي الباب عن جابر وعامر بن ربيعة وأنس وغيرهم رضي الله عنهم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #136  
قديم يوم أمس, 03:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 141 ) باب: في التَّعوّذ عند رؤية الرّيح والغيم والفَرح بالمطر


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
452.عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قالتْ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ، قَال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وخَيْرَ ما فِيها، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ « قالتْ: وإِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، فَعَرَفْتُ ذلك في وَجْهِهِ، قَالَت عَائِشَةُ : فَسَأَلْتُهُ فقال: «لَعَلَّهُ يا عَائِشَةُ كما قال قَوْمُ عَادٍ {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَظ°ذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}(الأحقاف: 24).
الشرح : قال المنذري: باب : في التعوذ عند رؤية الريح والغيم, والفرح بالمطر. والحديث أخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء (2/616) وبوب عليه النووي باب: التعوّذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر. الرياح خلقٌ من خَلق الله تعالى، وآية من آيات الله -عز وجل- في تصريفها وتوجيهها شمالاً وجنوباً، وشرقا وغربا، وفي إرسالها وكيفيتها، قوةً وضعفاً، جفافاً ورطوبة، وغير ذلك من صفاتها، ولا يقدر أحدٌ من الخَلق على أنْ يصرف هذه الرياح كيف يشاء، إلا خالقها -عزّ وجل- وفي ذلك آيات كثيرة من كتاب الله -تعالى- كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(البقرة: 164).
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}(الأعراف: 57).
وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ}(الروم: 46).
وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ}(الروم: 48). والآيات في هذه كثيرة. وقد عظّم الله تعالى الريح وأقسم بها، تشريفاً لها في مواضع من كتابه، مثل قوله: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا}(الذاريات: 1), وقوله: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ï´؟ظ،ï´¾ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ï´؟ظ¢ï´¾ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا}(المرسلات: 1-3 ). قولها: «كانَ النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ» عَصَفَتْ أي: اشتد هبُوبها، وريحٌ عاصف: شديدة الهبوب (نهاية).
قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وخَيْرَ ما فِيها..»، سأل الله تعالى هاهنا ثلاث خيرات: الأول: خيرَ الريح نفْسها، والثاني: خيرَ ما فيها، والثالث: خير ما أُرسلت به.
أما خير الريح نفسها، مثل تلذذ بني آدم ببرودتها في الحر، وإعطائهم الطراوة، أو الدفء بالشتاء، والتلقيح للنباتات، وذهابها بالروائح الكريهة والأدخنة، ونحو ذلك.
وأما خير ما فيها: مثل نزول المطر النافع بها بسوقها للسحاب؛ لأن المطر لا يجيء إلا ويسبقها الريح. ومنه: إن الله يُسير بها السفن في البحار ، قال تعالى: {وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كالأعلام (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(الشورى: 32-33).
وأما خير ما أرسلت به، مثل السحاب؛ لأنه يجيء بالريح وله خير وشر، خيره مثل: المطر النافع، وشره مثل: المطر الضار. وغير ذلك من صور الرحمة، وقد قال مطرف: لو حبست الريح عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض. وكذلك الـمُستَعاذ منه ثلاثة شرور؛ هي بعكس ما سبق ذكره من الخير. والمسلم يتعامل مع الرياح على أنها مخلوق من مخلوقات الله تعالى، سخرها الله -سبحانه- لغايات عظيمة في هذا الكون؛ ولذا لا يذم ولا يسب الرياح، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم أنْ نسأل الله -تعالى- خيرها ، ونعوذ بالله تعالى من شرها، بل أمرنا بذلك، ونهانا عن سبّها، فكان يقَول صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح كما في حديثنا هذا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وخَيْرَ ما فِيها، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِه».
وروى ابن حبان (1008) بسند حسن: عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان إذا اشتدت الريح، يقول: «اللهم لقْحاً لا عقيماًً.
وصح عن قتادة قال: إن من الريح عقيما وعذابا حين ترسل، لا تلقح شيئاً، ومن الريح رحمة يثير الله -تبارك وتعالى- بها السحاب ، ويُنزل بها الغيث.
قولها: «وإِذَا تَخَيَّلَتْ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وخَرَجَ ودَخَلَ، وأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ..» تَخَيَّلَتْ قال أبو عبيد وغيره: من المَخيلة، وهي سحابةٌ فيها رعدٌ وبرق، يُخيّل إليه أنها ماطرة، ويقال: أخالتْ: إذا تغيّمت.
قولها: «فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه» أي: انكشفَ عنه الهم وزال. والريح أيضاً: جُندٌ من جند الله -عز وجل- ويُذكّرنا هبوب الرياح الشديدة بما حصل لبعض الأمم السابقة، ممن كتب الله عليهم العذاب بكفرهم وشركهم وتكذيبهم وعصيانهم لرسلهم، فجاء في القرآن الكريم أنها أرسلت عذاباً لعاد قوم هود عليه السلام، حين كذبوه، وسيأتي الكلام في ذلك.
وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن سب الريح ولعنها، فروى الترمذي: عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تسبوا الريح».
وعن أُبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تَسُبُّوا الريح، فإذا رأيتم ما تَكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألُك من خيرِ هذه الريح، وخيرِ ما فيها، وخيرِ ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح ، وشرّ ما فيها، وشر ما أمرت به» رواه الترمذي. وقال حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.
لأنّ السبَّ يكون متوجهاً إلى خالقها ومصرفها جلَّ وعلا، وهذا من أعظم الذنوب، وعن ابن عباس -رضي الله عنه-: أنّ رجلاً لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تَلعنوا الريحَ فإنها مأمورةٌ، وإنه مَنْ لعن شيئا ليس له بأهلٍ ، رجعت اللعنةُ عليه» رواه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة.
قال الشافعي: لا ينبغي شتم الريح، فإنها خلقٌ مطيع لله، وجند من جنوده، يجعلها الله رحمة إذا شاء، ونقمة إذا شاء.
ويقول العلامة ابن عثيمين: وهذا النهي للتحريم; لأنَّ سبّها سبٌ لمن خلقها وأرسلها. ونسبة نزول المطر، لا تكون للرياح ولا للطقس أو الزمان، بل تنسب هذه الأمور لله وحده, فإنّه إذا اعتقد أنّ هذه الأشياء، تخلق المطر أو تُحدثه فهذا شركٌ أكبر؛ لأنّه شركٌ في الرّبوبيّة.
244- باب: في ريحِ الصَّبا والدَّبور
453-عن ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
الشرح: قال المنذري: باب: في ريح الصَّبا والدَّبور. والحديث أخرجه مسلم في صلاة الاستسقاء (2/617) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المنذري. ورواه البخاري في الاستسقاء ( 2/530) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا».
قوله صلى الله عليه وسلم : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا» الصبا: هي الريح التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، أي: الريح الشرقية.
قوله: «وأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» الدبور: هي الريح التي تُقابل الصبا، أي: الريح الغربية.
ففي هذا الحديث : أنّ الريح تكون نصراً لأنبيائه ورسله وأوليائه سبحانه، كما سخّرها الله لنبينا محمدصلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، قال تعالى في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا غڑ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}( الأحزاب : 9).
وأنها قد تكون الرياح عقوبة لأقوامٍ عصوا الله ورسوله، فقد عاقب الله بها أقواما مضوا، كما قال هاهنا: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور».
فقد أهلك الله بها عاداً قوم هود عليه السلام، قال تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ}(الذاريات: 41)، ومعنى «عقيم» أنها لم تأتهم بخير، قال ابن الجوزي: «وهي التي لا خَير فيها ولا بَرَكة ، لا تُلْقِح شجراً ولا تَحْمِل مطراً، وإنما هي للإهلاك».
وقد توعد الله بها عباده إذا عصوه، فقال سبحانه: {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ï´؟ظ،ظ§ï´¾ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }( الملك : 17- 18).
بل وقد تكون الريح علامة على عقوبة أقوام من هذه الأمة وإشارة لموت بعض المنافقين ودليل ذلك ما رواه مسلم : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله[ قال: «بُعثت هذه الريح لموتِ منافق»؛ فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات. وقد بوب البيهقي عليه في دلائل النبوة: باب هبوب الريح التي دلّت رسول الله على موت عظيم من عظماء المنافقين.
وبوب عليه ابن حبان: ذِكْرُ الْإِخبارِ عن الرِّيحِ الشَّديدةِ الَّتي هبَّتْ لموتِ بعضِ الْمُنافقين. اسأل الله أنْ يقر أعينّ المؤمنين بهلاك الكفرة الفجرة، والظالمين المفسدين، إنه سميع عليم مجيب الدعاء.
وهذا الحديث آخر كتاب الصلاة ، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الدكتور محمد الحمود النجدى
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 17 ( الأعضاء 0 والزوار 17)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 143.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 139.70 كيلو بايت... تم توفير 4.01 كيلو بايت...بمعدل (2.79%)]