|
ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() تنبيه الوعاة إلى مشاريع الحياة د. أحمد بن حمد البوعلي الخطبة الأولى أما بعد:عباد الله: هل فكر كل منا: ما هي غايته وهدفه في الحياة؟ هل سألنا أنفسنا: ما هي الآثار التي تركناها على أرضنا وفي مجتمعنا، بل في عشيرتنا وبيوتنا؟ هلا فكرنا في نتائج سنوات أعمارنا الماضية؟ وماذا قدمنا لحياتنا الحقيقية؟ أيها المسلمون: لعلكم تودون معرفة مشروع العمر والحياة، ما هو؟! إن مشروع العمر هو مشروعٌ تتضح في ذهن صاحبه أهدافه، وتستولي فكرته على فكره وعقله، ويبذل له جميع طاقاته، هذا هو مشروع العمر. هو مشروعٌ يتناسب أولًا مع قدراتك وإمكاناتك، ثم تعيش همه في كل لحظة من حياتك، ثم تبذل له جميع ما تملك من فكر وعمل ومتابعة. إن بإمكان الواحد منا أن يكون له مشروع خاص في حياته، مستشعرًا أنه أحد الكبار في حياة أمته، وذلك فقط حين يتحرر من الوهن والضعف وتصغير النفس، ليركب نحو المعالي. عباد الله: لو عدنا لجيل القدوة والأسوة الذين أوصى بهم الحبيب صلى الله عليه وسلم، لرأينا كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم إلى مماتهم ومفارقتهم للحياة، وهم يسعون لغاية واحدة، هي إعلاء كلمة الله ونشر دينه، قد كانوا في علم ودعوة وجهاد، وليس عندهم من الوقت ما يضيعونه، وأود أن أقرب لكم الصورة أكثر؛ جاء في السنة النبوية ذكر رجل فتح الله تعالى عليه ورزقه مالًا، فأراد أن يكون لنفسه مشروعًا خاصًّا، فصار يداين الناس وييسر عليهم في القضاء، فيرسل رسوله ليأخذ دينه، لكنه كان يرسله ويقول له: خذ ما تيسر، واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا، فمرت الأيام فمات الرجل، فلقي الله تعالى وسأله الله تعالى: هل عملت خيرًا قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله تعالى يتجاوز عنا، فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك[1]. وهذه امرأة كان لها مشروعها الخاص، أتدرون ما هو هذا المشروع؟! كانت تقمُّ المسجد وتقوم على تنظيفه، هذا هو مشروعها، وهي بهذا تشارك في خدمة هذا الدين، وفي النهاية رحلت عن الدنيا في ساعة متأخرة من الليل، فغسلها الصحابة وصلوا عليها ثم دفنوها ولم يخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنهم صغروا من شأنها، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى مسجده فالتفت، فلم يرَ المرأة، فسأل عنها فأخبروه أنها ماتت، فقال: أفلا آذنتموني؟ أي: أخبرتموني، قالوا: إنها ماتت في ساعة متأخرة من الليل، فيقوم صلى الله عليه وسلم متوجهًا إلى قبرها ويتبعه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فوقف على قبرها وصلى عليها؛ ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها بصلاتي عليهم))[2]، ولا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تتبع جنازة امرأة غير هذه، ما يدلك على عظمة صاحب المشروع. عباد الله: لم يكن ذلك الرجل يعلم أن اليوم الذي أماط فيه الشوك عن طريق الناس كان أفضل أيام حياته وأسعدها؛ إذ غفر الله له به؛ كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخره، فشكر الله له فغفر له))[3]. كيف بمن يزيل مشاكل المسلمين وقضاياهم التي أرقتهم في بيوتهم وأسرهم ومجتمعاتهم ودولهم، وسببت لهم الشقاء والضنك وسوء الحال، فيكون أسعد يوم في حياته وهو يوم العمر بالنسبة له يوم أن يتقبل الله منه ويكتب له المغفرة والرضوان. صنع الجميل وفعل الخير إن أثِرا ![]() أبقى وأحمد أعمال الفتى أثرا ![]() بل لست أفهم معنىً للحياة سوى ![]() عن الضعيف وإنقاذ الذي عثرا ![]() والناس ما لم يواسوا بعضهم فهم ![]() كالسائمات وإن سميتهم بشرا[4] ![]() الخطبة الثانية أيها المسلمون: يستطيع كثير من أفراد هذه الأمة أن يتخيل أن حياته عبارة عن مشروع أنشأته أمة الإسلام، واستثمرت فيه، ثم أوكلته إليه ليديره ويتابعه، ويبذل فيه من ماله ووقته وجهده، وقد قبل هذه الوكالة وشرع يحاول في جعل ذلك المشروع ناجحًا ومثمرًا، بل يحاول أن يجعل منه مشروعًا نموذجيًّا بين المشروعات المناظرة. وأود هنا أن أشير إلى فكرة مهمة هي أن الأمة الفقيرة ليست تلك التي لا تملك الكثير من المال، لكنها التي يتلفت صغارها وكبارها فلا يرون إلا رجالًا من الدرجة الرابعة، ولا يجدون نماذج رفيعة حية يقتدون بها ويقتبسون من روحها وسلوكها ما يشكل قسمات حياتهم. انظروا إلى ذلك التاجر الذي لم يكن له من أعمال الخير إلا القليل، عاش حياته بيعًا وشراءً، واستيرادًا وتصديرًا، وصفقات هنا وهناك، لكن كان فيه خصلة عظيمة؛ عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تذكر، قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال الله عز وجل: تجوزوا عنه))[5]. لقد كان يوم السعد في حياته، يوم أن تجاوز الله عنه لأنه تجاوز عن عباده، لم يغش ولم يحتكر، ولم يظلم، ولم يصب بالجشع والطمع، ولم يضيق على عباد الله. واعلموا - عباد الله - أن تربيتكم لأبنائكم وبناتكم هدفٌ سديدٌ، والسعي في نشر الخير، وتعليم الناس دينهم، أو قضاء حوائج المسلمين أو الإحسان إليهم وتفريج كربهم وإدخال السرور عليهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ذلك من الأهداف والغايات القويمة التي يجب علينا السعي لتحقيقها، وأن ترقى هممنا وغاياتنا لنيلها بإذن ربنا سبحانه تعالى. وهكذا هي المشاريع تجعل من أصحابها كبارًا لهذه الدرجة الكبيرة، لكن ينبغي أن تعلم أن هذا ما جاء من غفلة أو إكثار نوم أو انشغال بظروف خاصة انشغالًا يصرف عن تحقيق هذه المشاريع، بل جاء عن عمل وتعب نال به صاحبه هذه المنزلة الرفيعة. وأخيرًا: ابدأ - أيها المسلم - من هذه اللحظة بالتفكير في مشروعك الخاص، مشروع العمر، المشروع الذي يمكن أن تكون من خلاله شيئًا كبيرًا في تاريخ نفسك، وفي تاريخ أمتك وأرجوك أخرى ألَّا تقزم نفسك وألَّا تصغرها، وترى بأنك لست أهلًا لذلك، ابدأ الخطوة الأولى مهما كانت ظروفك، وقريبًا بإذن الله سترى الأفراح تعانق أحلامك. عباد الله: إن أسعد يوم في حياة المسلم وأعظم أيام حياته، هو اليوم الذي يقبل فيه على الله تائبًا مستغفرًا، يبتغي بأعماله وجه الله، لا يريد جزاءً ولا شكورًا، ولا يعمل نفاقًا ولا رياءً، ويثبت عليه حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. [1] روى هذه القصة الإمام البخاري رحمه الله، برقم (2078)، كتاب البيوع، باب من أنظر معسرًا، ومسلم برقم (31) كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [2] روى هذه القصة الإمام مسلم رحمه الله برقم (71) كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [3] رواه البخاري (652)، كتاب: الأذان، باب: فضل التهجير إلى الظهر، ورواه مسلم (1914)، كتاب: الإمارة باب: بيان الشهداء. [4] ديوان: خليل مردم بك، أصدره المجمع العلمي العربي بدمشق - في 433 صفحة - عام 1960م. [5] رواه البخاري برقم (2077) كتاب البيوع، باب من أنظر موسرًا، عن حذيفة رضي الله عنه.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |